مقالات ووجهات نظر

هبة سليم.. كيف أسقطت رسالة حب أخطر جاسوسة قبل حرب أكتوبر

وائل خليفة

هبة سليم.. كيف أسقطت رسالة حب أخطر جاسوسة قبل حرب أكتوبر

هبة سليم.. كيف أسقطت رسالة حب أخطر جاسوسة قبل حرب أكتوبر رسالة حب قصيرة كانت كافية لفتح أخطر خيط في واحدة من أكثر قضايا التجسس إثارة قبل حرب أكتوب

خلف الرسالة كانت هناك جاسوسة مصرية وصلت إلى باريس ثم اقتربت من الموساد وتمكنت من تجنيد ضابط في القوات المسلحة ونقل معلومات عسكرية شديدة الخطورة إلى إسرائيل

لكن ما بدأ في سهرة بباريس انتهى في القاهرة بحكم الإعدام بعد عملية استخباراتية معقدة قادتها المخابرات المصرية للإيقاع بهبة سليم

وبحسب روايات متداولة نُسب إلى جولدا مائير قولها عن هبة «هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدم ضباط الموساد مجتمعين»

كما نُسب إلى الرئيس الراحل أنور السادات قوله عن خطورتها «مش عارف أدخل الحرب قبل ما تقبضوا على البت دي»

ولدت هبة سليم في منطقة المهندسين لأسرة ميسورة وكان والدها يشغل منصبًا بوزارة التربية والتعليم

وعاشت طفولتها في أجواء اجتماعية مرفهة وقضت جانبًا من وقتها في نادي الجزيرة

وبعد حصولها على الثانوية العامة سافرت إلى فرنسا لاستكمال دراستها وهناك تعرفت على فتاة يهودية من أصول بولندية

وأصبحت الصداقة بينهما بداية لطريق لم تكن هبة تعرف إلى أين سيقودها

في إحدى السهرات دعتها صديقتها إلى منزلها وهناك التقت بعدد من الشباب اليهود وبدأ الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي

قبل أن تفاجئ هبة الجميع بتصريح صادم قالت إنها تكره الحرب وتكره العرب

لفت التصريح الانتباه إليها وفي لقاء لاحق التقت أحد ضباط الموساد الذي بدأ يتحدث معها عن الصراع العربي الإسرائيلي ويحاول إقناعها بأن العرب لن يستطيعوا الانتصار على إسرائيل

لكن المفاجأة أن هبة لم تنتظر عرضًا من الضابط بل بادرت هي بعرض خدماتها

وعندما سألها عما يمكن أن تقدمه لإسرائيل كشفت له عن ضابط مصري قالت إنه متعلق بها بشدة ويمكنها التأثير عليه

كان اسمه فاروق الفقيهبة سليم.. كيف أسقطت رسالة حب أخطر جاسوسة قبل حرب أكتوبر

في ذلك الوقت كان فاروق الفقي مقدمًا مهندسًا بالقوات المسلحة المصرية ويعمل في مكتب قائد قوات الصاعقة وكان موقعه يسمح له بالاطلاع على معلومات عسكرية شديدة الحساسية

بالنسبة للموساد لم يكن فاروق مجرد ضابط بل كان بوابة يمكن أن تصل من خلالها معلومات لا تقدر بثمن

عادت هبة إلى مصر وبدأت تنفيذ مهمتها واقتربت من فاروق وأخبرته بأنها تحبه وأنها موافقة على الارتباط به

كان فاروق متعلقًا بها بالفعل ومع مرور الوقت تحولت العلاقة من مشاعر وخطط للزواج إلى أحاديث عن العمل والقوات والأسلحة ومواقع الصواريخ

وبحسب الروايات المتداولة بدأت المعلومات تصل إلى إسرائيل ثم تطورت العلاقة إلى تعاون مباشر مع الموساد وأصبح فاروق مصدرًا لمعلومات عسكرية شديدة الخطورة

ومن أخطر ما نُسب إلى العملية تسليم خرائط مرتبطة بمواقع منصات صواريخ سام 6 المضادة للطائرات وهي معلومات كانت ذات أهمية كبيرة لإسرائيل

وعندما أراد الموساد مكافأة هبة بالمال رفضت وقالت إنها لا تعمل من أجل المال وإنما عن اقتناع

لكن اللحظة التي اعتبرها الموساد دليلًا على ولائها كانت في الحقيقة بداية النهاية

بدأت القيادة العسكرية المصرية تلاحظ أن مواقع حائط الصواريخ تتعرض للقصف الإسرائيلي بصورة متكررة وبعض المواقع كانت تُستهدف بعد إنشائها بفترة قصيرة جدًا

وبدا الأمر وكأن إسرائيل تعرف أماكن المواقع قبل أن تكتمل تجهيزاتها

بدأت الشكوك تتزايد وبدأت المخابرات المصرية في البحث عن مصدر التسريب وأصبحت دائرة الاشتباه تضم عناصر داخل المؤسسة العسكرية

ثم ظهر خيط صغير لم يكن أحد يتوقع أنه سيقود إلى الشبكة كلها

أثناء مراقبة بعض المراسلات تم العثور على خطاب مرسل إلى فتاة مصرية في باريس وكان الخطاب يبدو عاطفيًا في ظاهره

لكن جملة واحدة لفتت انتباه رجال المخابرات «أنا ركبت إريال الراديو»

كانت العبارة غريبة فإريال الراديو لم يعد مستخدمًا بهذا الشكل وبدأ البحث عن صاحب الإريال ومكانه

استمر التتبع حتى وصلت الأجهزة إلى سطح عمارة في منطقة الدقي وهناك ظهرت المفاجأة الإريال مرتبط بشقة المقدم فاروق الفقي

تم القبض على فاروق وبدأ التحقيق معه وبحسب الرواية المتداولة اعترف بتعاونه مع الموساد وكشف أن هبة سليم كانت وراء تجنيده

صدر بحقه حكم بالإعدام لكن المخابرات المصرية لم تعتبر القضية انتهت كان المطلوب الوصول إلى العقل الذي يقف خلف عملية التجنيد

وهبة كانت لا تزال خارج مصر

هنا ظهر دور الفريق محمد رفعت جبريل الذي ارتبط اسمه بالعملية وبحسب الرواية المتداولة قال لقيادات المخابرات «سيبوها لي وأنا هرجعها مصر»

بدأت الخطة

كان والد هبة يعمل في ليبيا فتم إقناعه بأن ابنته تورطت في قضية خطيرة وأن السلطات الفرنسية قد تلقي القبض عليها وطُلب منه استدعاؤها إلى ليبيا بحجة تعرضه لأزمة صحية وحاجته إلى رؤيتها

هبة لم تثق في الأمر وأبلغت الموساد بما حدث فأرسل الموساد عناصر إلى ليبيا للتأكد من حقيقة مرض والدها لكن المخابرات المصرية كانت تتوقع هذه الخطوة

تم التنسيق مع الجانب الليبي وحُجزت غرفة في أحد مستشفيات طرابلس باسم والد هبة وتم تجهيز السيناريو بالكامل

وبعد أن اطمأن الموساد إلى الرواية سمح لهبة بالسفر إلى ليبيا

وهناك وقعت في الفخ

ما إن وصلت إلى ليبيا حتى كانت المخابرات المصرية في انتظارها

تم القبض عليها ونقلها إلى مصر لتبدأ مرحلة التحقيق والمحاكمة التي انتهت بصدور حكم الإعدام بحقها

لكن القضية لم تنته عند هذا الحد بحسب الروايات المتداولة حاولت إسرائيل التدخل لإنقاذ هبة وقيل إن جولدا مائير تأثرت بشدة عندما علمت بالحكم

كما نُسب إلى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر تدخله لدى الرئيس السادات في محاولة لتخفيف الحكم

لكن السادات كان قد حسم موقفه

وبحسب الرواية المتداولة قال لكيسنجر في أسوان «تخفيف حكم إيه دي اتعدمت»

ورغم اختلاف بعض الروايات حول تفاصيل وتوقيت تنفيذ الحكم فإن النهاية كانت سقوط هبة سليم في قبضة المخابرات المصرية وانتهاء واحدة من أخطر عمليات التجسس المرتبطة بما قبل حرب أكتوبر

لكن أخطر ما في القصة لم يكن هبة وحدها بل المعلومات التي تمكنت من الوصول إليها من خلال فاروق الفقي الذي كان بحكم موقعه قريبًا من معلومات عسكرية شديدة الحساسية

وبحسب الروايات كان الفقي يعرف معلومات مرتبطة بساعة الصفر لحرب أكتوبر كما ارتبط اسمه بخطة التعامل مع أنابيب النابالم التي زرعتها إسرائيل بطول خط بارليف

ولهذا لم تكن مطاردة هبة مجرد مطاردة لجاسوسة كانت معركة مع شبكة اقتربت من أسرار حرب كانت مصر تستعد لخوضها

بدأت الحكاية في سهرة بباريس

ثم تحولت إلى علاقة عاطفية

ومن علاقة عاطفية إلى خيانة وتسريب أسرار عسكرية

وانتهت بخطة مخابراتية أعادت هبة إلى مصر وأسقطت واحدة من أخطر حلقات التجسس قبل حرب أكتوبر

لكن ربما يبقى السؤال الأصعب هو ماذا كان يمكن أن يحدث لو تأخر اكتشاف تلك الشبكة قليلًا ففي عالم المخابرات قد تكون جملة واحدة هي الفارق بين نجاح عملية وسقوطها

وفي قصة هبة سليم كانت جملة صغيرة في رسالة عاطفية هي الخيط الذي قاد المخابرات المصرية إلى الشبكة بأكملهاهبة سليم.. كيف أسقطت رسالة حب أخطر جاسوسة قبل حرب أكتوبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى