مقالات ووجهات نظر

كن غيثًا… فليكن لوجودك أثر

بقلم: د. سماح مصطفى

كن غيثًا… فليكن لوجودك أثر

كن غيثًا… فليكن لوجودك أثر

كن غيثًا… فليكن لوجودك أثر

نمر جميعًا في حياة بعضنا البعض، بعضنا يبقى سنوات، وبعضنا يمر لفترة قصيرة، لكن السؤال الأهم ليس: كم استمر وجودنا في حياة الآخرين؟ وإنما: ماذا ترك هذا الوجود وراءه؟

هناك أشخاص بمجرد أن يدخلوا حياتنا نشعر أن شيئًا أصبح أكثر هدوءًا. نلجأ إليهم عندما تضيق بنا الدنيا، ونشعر معهم أننا لسنا مضطرين إلى التظاهر بالقوة طوال الوقت. لا يحتاجون إلى الكلام الكثير، لأن حضورهم في حد ذاته يحمل قدرًا من الأمان.

وفي المقابل، هناك أشخاص قد يكونون حاضرين باستمرار، نراهم ونتحدث معهم ونقضي معهم وقتًا طويلًا، لكننا لا نشعر أن وجودهم أضاف شيئًا حقيقيًا إلى حياتنا. وأحيانًا يكون وجودهم مصدرًا للاستنزاف أكثر منه مصدرًا للدعم.

ومن هنا يأتي سؤال يستحق أن نتوقف أمامه:

ماذا يفعل وجودي في حياة الآخرين؟

المؤمن كالغيث

من أجمل الصور التي يمكن أن نصف بها الإنسان النافع أن يكون كالغيث؛ أينما حلّ كان في وجوده خير.

الغيث لا يعلن عن نفسه، ولا يحتاج إلى أن يخبر الأرض بأنه جاء لينفعها. ينزل، فتنتفع به الأرض، وتنبت البذور، وتعود الحياة إلى أماكن كانت تبدو جافة.

وهكذا الإنسان الذي يحمل الخير في داخله.

ليس مطلوبًا أن تكون قادرًا على حل مشكلات الجميع، ولا أن تتحول إلى شخص مسؤول عن راحة كل من حولك. النفع لا يعني أن تلغي نفسك من أجل الآخرين، وإنما أن يكون لوجودك أثر طيب.

قد يكون نفعك كلمة قيلت في وقتها.

وقد يكون إنصاتًا حقيقيًا لشخص يحتاج أن يتحدث دون أن تقاطعه أو تحاكمه.

وقد يكون مساعدة في وقت الشدة، أو سترًا لعيب، أو فرحة صادقة بنجاح شخص آخر.

وقد يكون أن تقول لإنسان يمر بوقت صعب: «أنا جنبك»، دون أن تدّعي أنك قادر على إصلاح كل شيء.

وأحيانًا يكون أعظم ما تقدمه للآخرين هو ألا تزيد أوجاعهم.

أن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت، ومتى تنصح ومتى تترك مساحة، ومتى تتدخل ومتى تحترم خصوصية الآخر.

فليس كل كلام طيبًا لمجرد أنه قيل بنية طيبة، وليس كل نصيحة نافعة، وليس كل تدخل مساعدة.

الأثر أهم من الحضور

قد لا يتذكر الناس كل الكلمات التي قلناها لهم، لكنهم غالبًا يتذكرون جيدًا كيف شعروا في وجودنا.

هل شعروا بالأمان؟

هل شعروا أنهم مسموعون؟

هل شعروا أننا نفرح لنجاحهم دون مقارنة أو منافسة؟

هل شعروا أننا نحترمهم حتى عندما نختلف معهم؟

هل شعروا أن أخطاءهم لا تجعلهم أقل قيمة في نظرنا؟

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الأثر الحقيقي.

فالإنسان قد ينسى نصيحة تلقاها منذ سنوات، لكنه لا ينسى شخصًا وقف بجواره في وقت لم يجد فيه أحدًا.

وقد لا يتذكر تفاصيل موقف معين، لكنه يتذكر جيدًا كيف شعر عندما كان ضعيفًا ووجد أمامه شخصًا لم يستغل ضعفه.

لذلك فالقيمة ليست دائمًا في حجم ما نفعله، وإنما في المعنى الذي نتركه في نفوس الآخرين.

حين يتحول الحضور إلى تواجد سلبي

لكن إذا كان هناك وجود يشبه الغيث، فهناك أيضًا ما يمكن أن نسميه التواجد السلبي.

والتواجد السلبي لا يعني أن يكون الإنسان هادئًا أو قليل الكلام أو محبًا للعزلة. وليس كل شخص يحتاج إلى أن يكون اجتماعيًا أو متاحًا للآخرين طوال الوقت.

التواجد السلبي شيء مختلف.

هو أن تكون حاضرًا في حياة الآخرين، لكن دون أن تتحمل مسؤولية هذا الحضور.

أن تأخذ الاهتمام ولا تمنحه.

أن تطلب الدعم باستمرار ولا تتذكر احتياج الآخرين.

أن تريد من الجميع أن يسمعوك، بينما لا تمنحهم فرصة حقيقية للتعبير.

أن تكون حاضرًا عندما تحتاج، وتختفي عندما يحتاجك الآخرون.

وقد يصبح الأمر أكثر إيلامًا عندما يتحول وجود الإنسان إلى مصدر مستمر للضغط أو التقليل أو الاستنزاف.

ومع ذلك، من المهم ألا نخلط بين التواجد السلبي وبين فترات الضعف الطبيعية التي يمر بها الإنسان.

كلنا نحتاج أحيانًا إلى من يسندنا، وكلنا نمر بأوقات تقل فيها قدرتنا على العطاء. وهذا لا يجعلنا أشخاصًا سلبيين.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الأخذ هو القاعدة، والعطاء هو الاستثناء.

كن نافعًا دون أن تلغي نفسك

أحيانًا يتم فهم فكرة العطاء بشكل خاطئ، فيعتقد الإنسان أن عليه أن يتحمل كل شيء حتى يثبت أنه شخص طيب.

لكن أن تكون نافعًا لا يعني أن تسمح لأحد باستغلالك.

ولا يعني أن تقبل الإهانة.

ولا يعني أن تقول «نعم» لكل طلب بينما أنت منهك.

ولا يعني أن تستمر في علاقة تؤذيك بحجة أنك لا تريد أن تتخلى عن الآخر.

العطاء الصحي له حدود.

والرحمة لا تتعارض مع الحزم.

والمحبة لا تعني إلغاء الذات.

بل إن وضع الحدود في بعض الأحيان يكون هو التصرف الأكثر صحة ونفعًا للطرفين.

فالعلاقات الإنسانية الصحية ليست علاقة يكون فيها شخص واحد غيثًا دائمًا، بينما يظل الآخر عطشانًا إلى الأبد.

العلاقة الصحية فيها تبادل، وفيها مساحة لأن يحتاج كل طرف إلى الآخر، ثم يجد الآخر مساحة ليحتاجه هو أيضًا.

اسأل نفسك: ماذا يترك وجودي؟

ربما نحتاج من وقت إلى آخر أن نتوقف عن سؤال الآخرين: «هل يحبونني؟» ونسأل أنفسنا سؤالًا أكثر أهمية:

هل وجودي مريح للآخرين؟

كيف يشعر أبنائي عندما أتحدث إليهم؟

هل يشعرون بالأمان، أم بالخوف من الخطأ؟

كيف يشعر شريك حياتي بعد خلاف بيننا؟

هل نختلف ثم نعود إلى الحوار، أم نترك كل خلاف جرحًا جديدًا؟

ماذا يجد أصدقائي عندما يلجأون إليّ؟

هل أسمعهم فعلًا، أم أنتظر دوري لأعطي النصائح والأحكام؟

هل أستطيع أن أفرح لنجاح شخص آخر دون أن أقارنه بنفسي؟

هل أستطيع أن أعتذر عندما أخطئ؟

وهل أتعامل مع ضعف الآخرين باعتباره فرصة للسيطرة، أم فرصة لمساندتهم؟

هذه الأسئلة قد تكون مؤلمة أحيانًا، لكنها ضرورية؛ لأن الإنسان قد يقضي سنوات يحاول أن يكون محبوبًا، بينما لا ينتبه إلى الأثر الذي يتركه فيمن حوله.

أن تجعل الطريق أقل قسوة

لسنا مطالبين بأن نغيّر العالم.

ولا أن نكون مثاليين.

ولا أن نكون مصدر سعادة لكل من نعرفهم.

لكن يمكننا أن نحاول أن نجعل الأماكن التي نمر بها أفضل قليلًا.

أن نجعل بيوتنا أكثر أمانًا.

علاقاتنا أكثر رحمة.

خلافاتنا أكثر احترامًا.

نصائحنا أقل قسوة.

وحبنا أقل امتلاكًا.

أن نختلف دون إهانة، ونضع حدودًا دون تجريح، ونعتذر دون أن نشعر أن الاعتذار يقلل من قيمتنا.

فكل واحد منا يعبر حياة أشخاص آخرين، وقد لا يعرف أبدًا حجم الأثر الذي تركه فيهم.

ربما كلمة منك منحت شخصًا أملًا.

وربما موقف بسيط جعله يشعر أنه ليس وحده.

وربما على الجانب الآخر، كلمة قاسية منك ظلت في ذاكرته سنوات.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم: كم شخصًا يحبني؟

ولكن:

كم شخصًا أصبح وجودي في حياته سببًا في أن يشعر بالأمان، أو القوة، أو الأمل؟

وفي النهاية، لسنا مطالبين بأن نكون غيثًا طوال الوقت. نحن بشر، نضعف ونتعب ونحتاج إلى من يساندنا.

لكن عندما نستطيع أن نعطي، فلنعطِ.

وعندما نستطيع أن نخفف، فلنخفف.

وعندما لا نستطيع أن نروي، فعلى الأقل ألا نكون سببًا في مزيد من العطش.

فالحياة أقصر من أن نمر فيها دون أثر، والعلاقات أثمن من أن نستهلكها دون تقدير.

كن غيثًا أينما حللت… واجعل لوجودك معنى.

فبعض الناس لا يحتاجون منك أن تغيّر حياتهم،

يكفي أن تجعل الطريق أقل قسوة وهم يعبرونه.

 

كن غيثًا… فليكن لوجودك أثر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى