مقالات ووجهات نظر

طـــــــفــــل بــيــن بــابــيــن مــغــلــقــيــن

بقلم : د احمد طه عفيفى

طـــــــفــــل بــيــن بــابــيــن مــغــلــقــيــن

لم يكن الفيديو المنتشر لطفل أعادته أسرة أمه إلى أبيه بعد زواجها مجرد مشهد عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل كان صفعة مؤلمة على وجه الضمير الإنساني ،حتى وان كان غير صحيح ولكن يطرح فكرة ان هناك طفل صغير لا ذنب له في خلافات الكبار، ولا في قرارات الزواج والطلاق، وجد نفسه فجأة وكأنه “عبء” يتبادل الجميع التنصل من مسؤوليته. ذهب أهل الأم بالطفل إلى والده ليقوم بدوره الطبيعي كأب، فإذا بالمفاجأة الصادمة: الأب يرفض استلام ابنه، وزوجة الأب تقول ببرود: “أمه ملزمة به”.

والله إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع لمجرد مشاهدة هذا المشهد.

أيها الأب… أين ضميرك؟ أين الأبوة التي لا تسقط بطلاق أو خلاف أو زواج جديد؟ هل نسيت أن هذا الطفل قطعة منك، يحمل اسمك ودمك، وأنه لم يختر أن يأتي إلى الدنيا ثم يجد نفسه مرفوضًا من أقرب الناس إليه؟

وأنتِ يا زوجة الأب… وأنتِ أم قبل أن تكوني زوجة، ألم يعصف بقلبك حال هذا الطفل؟ ألم تنظري إليه باعتباره أخًا لأبنائك؟ ألم يخطر ببالك للحظة أن الأيام دول، وأن الحياة قد تضع أبناءك يومًا في الموقف نفسه؟ ألم تفكري أنه إذا سبقك الأجل وتزوج زوجك من أخرى، فكيف سيكون مصير أبنائك؟

إن المشكلة الحقيقية ليست في الطلاق، فالطلاق موجود منذ فجر التاريخ. وليست في الزواج الثاني، فهو أمر مشروع ومباح. المشكلة الحقيقية عندما يموت الضمير، وعندما تتحول العلاقات الإنسانية إلى حسابات ضيقة ومصالح شخصية، ويصبح الأطفال هم الضحية الأولى والأخيرة.

الدين الذي نعتز به لم يعلمنا هذا الجفاء، ولم يربنا على التخلي عن الأبناء. بل جعل رعاية الضعيف والرحمة بالصغير من أعظم القربات إلى الله. والمجتمع المصري الذي عرف دائمًا بالتكافل والجدعنة والرحمة لا يقبل أن يرى طفلًا يقف حائرًا بين بابين مغلقين، لا يدري أين يذهب.

الأطفال ليسوا أوراقًا في ملفات المحاكم، ولا أدوات للضغط والانتقام بين الأزواج السابقين. الأطفال أمانة، ومن فرط في الأمانة فقد فرط في إنسانيته قبل أي شيء آخر.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس رفض الأب، ولا موقف زوجة الأب، بل أن يكبر هذا الطفل وهو يحمل في قلبه سؤالًا مؤلمًا: لماذا لم يردني أبي؟ ولماذا شعر الجميع أنني عبء؟

هذا السؤال قد يظل يطارده سنوات طويلة، وربما عمرًا كاملًا.

رحم الله زمنًا كان الناس فيه يختلفون كأزواج، لكنهم يتفقون على حب أبنائهم. ورحم الله القلوب التي ما زالت تعرف معنى الرحمة قبل القانون، ومعنى الأبوة قبل الحقوق والواجبات.

فما حدث لا يرضي دينًا، ولا ضميرًا، ولا أخلاقًا، ولا مجتمعًا.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: إذا غاب الضمير، فمن يحمي الأطفال؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى