مقالات ووجهات نظر

صــبــري نــخــنــوخ ..هــل هــي بــدايــة الــنــهــايـة أم نــهــايـة الــبــدايـة؟

الغربيه : د أحـمـد طـه عـفـيـفـى

صــبــري نــخــنــوخ ..هــل هــي بــدايــة الــنــهــايـة أم نــهــايـة الــبــدايـة؟

في بلد مثل مصر، لكل شخص خط أحمر، ومشكلتك الحقيقية لا تبدأ عندما تخطئ، بل عندما تتجاوز الخط الأحمر الخاص بك. فالكثيرون يعتقدون أن النجاح أو الثراء أو الشهرة أو النفوذ يمنحهم مساحة أوسع للحركة، بينما الحقيقة أن النجاح في مصر لا يرتبط فقط بالوصول إلى القمة، بل بالذكاء في معرفة حدود الحركة بعد الوصول إليها.

فالخطر لا يكمن في امتلاك النفوذ، وإنما في الاغترار به. ولا يكمن في تحقيق النجاح، وإنما في الاعتقاد بأن هذا النجاح دائم أو أن صاحبه أصبح بمنأى عن الحساب. فبداية أي أزمة هي اللحظة التي يقتنع فيها الإنسان أنه يملك كل شيء، بينما الحقيقة أنه لا يملك شيئًا على وجه الدوام، وأن القوة مهما عظمت تظل مؤقتة، والنفوذ مهما اتسع يبقى محكومًا بحدود لا يجوز تجاوزها.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة قصة صبري نخنوخ، ليس باعتبارها قصة شخص فحسب، وإنما باعتبارها نموذجًا يطرح أسئلة أوسع عن حدود النفوذ والعلاقة بين القوة الشخصية وهيبة الدولة.

فور تداول أخبار القبض عليه مجددًا، انطلقت موجة واسعة من التعليقات والتحليلات. البعض رأى أن ما يحدث يمثل بداية النهاية لنموذج ظل حاضرًا لسنوات طويلة، بينما اعتبر آخرون أن الأمر مجرد فصل جديد من قصة لم تنته بعد.

والحقيقة أن الجدل لا يرتبط بالشخص وحده، بل بالصورة التي ارتبطت به عبر السنوات. فالرجل لم يكن شخصية بعيدة عن الأضواء، بل ارتبط اسمه دائمًا بمظاهر النفوذ والاستعراض؛ سيارات فارهة، حراسات خاصة، حضور لافت في المناسبات العامة، وهالة اجتماعية جعلته بالنسبة للبعض رمزًا لما يمكن وصفه بالنفوذ غير الرسمي.

بل إن المشهد وصل في أوقات كثيرة إلى درجة بدت معها بعض الساحات الفنية والشعبية وكأنها تمنح أهمية استثنائية لحضوره، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة ذهنية تجاوزت حدود الشخص نفسه.

وعندما خرج بعفو رئاسي عام 2018، توقع كثيرون أن يبتعد عن المشهد العام ويختار حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن الأضواء والجدل، إلا أن اسمه ظل حاضرًا في عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية، واستمر الحديث عن حجم تأثيره ونفوذه الحقيقي.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بصبري نخنوخ وحده.

السؤال الحقيقي هو: هل القضية تتعلق بفرد أم بظاهرة؟

فعلى مدار سنوات طويلة، تشكلت في المجتمع شبكات نفوذ غير رسمية تعتمد على العلاقات الشخصية والقوة الاجتماعية، حيث يلجأ البعض إلى أصحاب التأثير أو النفوذ لتحقيق المصالح أو حل المشكلات بعيدًا عن المسارات المؤسسية الطبيعية.

ومن هنا تتجاوز القضية حدود اسم واحد. فالمسألة في جوهرها تتعلق بثقافة ترى أن النفوذ الشخصي قد يكون طريقًا أسرع من القانون، وأن الأشخاص قد يمتلكون تأثيرًا يوازي تأثير المؤسسات الرسمية.

وإذا كانت الأحداث الأخيرة تحمل رسالة، فربما تكون هذه الرسالة أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تستقيم بوجود مسارات موازية لمساراتها الرسمية، وأن هيبة القانون يجب أن تعلو على هيبة الأشخاص مهما بلغت شهرتهم أو حجم نفوذهم.

فالتاريخ لا يتوقف كثيرًا أمام أسماء الأفراد، بقدر ما يتوقف أمام الظواهر التي يمثلونها. وقد يختفي الأشخاص أو تتغير مواقعهم، لكن التحدي الحقيقي يبقى في منع إعادة إنتاج الظاهرة نفسها بأسماء جديدة ووجوه مختلفة.

ويبقى السؤال: هل ما نشهده اليوم هو بداية النهاية لظاهرة استمرت سنوات طويلة؟ أم أنه مجرد نهاية فصل وبداية فصل آخر؟

الإجابة لن تحددها قضية بعينها، بل سيحددها مدى نجاح المجتمع والدولة معًا في ترسيخ مبدأ بسيط وحاسم: لا أحد أكبر من القانون، ولا طريق لحل المشكلات إلا عبر المؤسسات الشرعية التي أنشئت لهذا الغرض.

وعندها فقط، لن يكون السؤال: كم من نخنوخ يوجد في مصر؟

بل سيكون السؤال الأهم: هل ما زالت البيئة التي تسمح بظهور مثل هذه النماذج موجودة من الأساس؟

صــبــري نــخــنــوخ ..هــل هــي بــدايــة الــنــهــايـة أم نــهــايـة الــبــدايـة؟

صــبــري نــخــنــوخ ..هــل هــي بــدايــة الــنــهــايـة أم نــهــايـة الــبــدايـة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى