مقالات ووجهات نظر

رجل الإدارة بين أمانة المسؤولية وخطر إساءة استخدام النفوذ

كتبت /هناء علام المستشار الإعلامى لجريدة المساء العربى

رجل الإدارة بين أمانة المسؤولية وخطر إساءة استخدام النفوذ

 

حين يتحول حارس العدالةإلى خصمٍ

ليست قوة الدولة في كثرة القوانين، بل في نزاهة من يطبقونها. وليست هيبة المنصب فيما يمنحه من نفوذ، بل فيما يفرضه من مسؤولية وأمانة. ولهذا كان رجل الإدارة دائمًا رمزًا يفترض فيه الحياد والعدل والوقوف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، لا أن يصبح طرفًا في نزاع أو أداة لترجيح كفة على أخرى.

غير أن أخطر ما يمكن أن يواجهه المواطن ليس خصمًا قويًا أو صاحب نفوذ، وإنما أن يشعر بأن بعض من أوكلت إليهم الدولة حماية الحقوق قد يتحولون إلى جزء من المشكلة بدلًا من أن يكونوا جزءًا من الحل. فعندما تدور الشبهات حول محاولات التأثير على الشهادات أو الوقائع أو إجراءات المعاينة أو توجيه الحقائق بعيدًا عن مسارها الصحيح، يصبح الأمر مساسًا بثقة المجتمع بأكمله في العدالة.

إن المواطن البسيط قد يتحمل سنوات من النزاع، وقد يصبر على الظلم أملاً في إنصاف القانون، لكنه لا يقبل أن يرى الحقيقة تُحاصر أو أن تتحول الإجراءات التي وجدت لكشف الواقع إلى ساحة للتأثير والمصالح والضغوط. فالحقيقة لا تحتاج إلى تزيين، والواقع لا يحتاج إلى إعادة صياغة، والعدالة لا تحتاج إلى وسطاء.

وليعلم كل من يظن أن النفوذ قادر على طمس الوقائع أن الزمن الذي كانت فيه الحقائق تُدفن في الصمت قد انتهى. فكل إجراء يترك أثرًا، وكل كلمة تُسجل، وكل تصرف يخضع للمراجعة والمساءلة متى وجدت الإرادة لكشف الحقيقة. وما يعتقده البعض انتصارًا مؤقتًا قد يتحول يومًا إلى دليل عليهم لا لهم.

رجل الإدارة بين أمانة المسؤولية وخطر إساءة استخدام النفوذ

إن أصحاب الحقوق قد يرهقهم الانتظار، لكنهم لا يتخلون عن حقوقهم. وقد يتعرضون للضغوط، لكنهم لا يساومون على الحقيقة. ومن يراهن على اليأس يخطئ التقدير، لأن الإصرار على المطالبة بالحق لا يسقط بالتقادم الأخلاقي ولا يتراجع أمام محاولات التأثير أو التشكيك.

هذا المقال ليس اتهامًا لأحد، وليس حكمًا على أحد، وإنما تذكير بمبدأ لا ينبغي أن يغيب عن أي صاحب سلطة أو مسؤولية: أن المنصب زائل، أما الأثر الذي يتركه صاحبه في سجل العدالة فيبقى. وأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. وأن المواطن الذي يتمسك بحقه في إطار القانون أقوى من أي محاولة لإخفاء الوقائع أو تشويهها.

وفي النهاية، فإن الدولة القوية لا تخشى الحقيقة، والموظف النزيه لا يخشى الرقابة، والمسؤول الشريف لا يخشى التحقيق. أما من يضيق بالحقيقة أو يخشى ظهورها، فذلك شأن عليه أن يراجعه مع نفسه قبل أن تراجعه الجهات المختصة أو يحاسبه ضميره والتاريخ.

 

رجل الإدارة بين أمانة المسؤولية وخطر إساءة استخدام النفوذ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى