
التربيه التي لا نراها تصنع كل ما نعيشه
التربيه التي لا نراها تصنع كل ما نعيشه لم تعد تربية الأبناء اليوم مسؤولية محصورة داخل جدران البيت بل تحولت إلى عملية معقدة تتداخل فيها مؤسسات المدرسة ومحيط الأصدقاء وصولاً إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي
بما تحمله من أفكار ومؤثرات عابرة للحدود ومع هذا الاتساع يظل البيت هو المدرسة الأولى والركيزة الأساسيةالتي تتشكل فيها معالم الشخصية وتوضع فيها اللبنات الأولى للإنسان وعندما نتأمل الكثير من الظواهر السلبية
والاضطرابات التي تشهدها الأسر والمجتمعات اليوم، نكتشف أن جذورها لا تبدأ مع مرحلة الزواج أو نضوج الأمومة والأبوة بل تمتد عميقاً إلى سنوات الطفولة الأولى حيث تتكون المفاهيم والقيم وترتسم الصورة الذهنية التي يحملها الإنسان عن نفسه
وعن دوره في الحياة فالرجل الذي يتخلى عن مسؤولياته الأسرية أو يهرب من التزاماته لم يولد بهذه الصفات
بل غالباً ما يكون نتاج بيئة تربوية افتقدت التوازن فلم يتعلم فيها معنى المسؤولية ولم يجد القدوة التي تغرس فيه قيمة الالتزام
وتحمل الأعباء وبالمثل فإن المرأة التي تفتقد الوعي بدورها أو تعجز عن بناء بيئة أسرية مستقرة قد تكون ثمرة تربية لم تمنحها الفهم الصحيح
للواجبات والعلاقات الإنسانية وفي كثير من الأحيان ينشأ الخلل الأسري عندما يغيب أحد الوالدين عن دوره الحقيقي سواء كان غياباً
جسدياً أو معنوياً فالأب الغائب أو المنعزل يترك فراغاً نفسياً وتربوياً يصعب تعويضه وفي المقابل فإن الأم التي تمارس التعلق الزائد
والحماية المفرطة تمنع أبناءها من اكتساب الخبرات الحياتية وتحرمهم من القدرة على الاعتماد على النفس كما لا تقل القسوة الزائدة ضرراً
عن الغياب والتدليل فالتربية التي تخلو من الرحمة والاحتواء تنتج أبناء يفتقدون الثقة بالنفس ويعجزون عن بناء علاقات مستقرة مستقبلا
بل قد يتحول ما عاشوه في طفولتهم إلى سلوك سلبي يعيدون إنتاجه مع أسرهم الجديدة إن تحميل المسؤولية لطرف واحد
سواء كان الرجل أو المرأة لا يعالج جذور المشكلة فبناء الأسرة مسؤولية تضامنية مشتركة والخلل في التربية ينعكس على المنظومة بأكملها
بطرق مختلفة فيتأثر الابن والبنت ويتضرر الزوج والزوجة بل إن المجتمع بأكمله يدفع في النهاية ثمن الأخطاء التربوية التي تتراكم
وتتوارث عبر الأجيال إن التربية السليمة لا تعني القسوة الجافة ولا التدليل المفرط بل تقوم على معادلة دقيقة توازن بين الحزم والرحمة
وبين الحقوق والواجبات وتتطلب حضوراً واعياً من أب يدرك قيمة دوره وأم واعية تعي رسالتها في بناء الإنسان فحين ينشأ الطفل
في بيئة متوازنة يتعلم تلقائياً تحمل المسؤولية واحترام الآخرين والاعتماد على الذات وعندما يكبر يصبح رجلاً أو امرأة قادرين على
قيادة أسرة مستقرة تظللها المودة والتعاون والاحترام المتبادل إن ما نشهده اليوم من نجاح أو خلل داخل الأسرة ليس وليد اللحظة
بل هو حصاد تربية خفية قد لا يلتفت إليها الكثيرون لكنها في النهاية تصنع كل التفاصيل الحياتية التي نعيشها الآن..




