هل نحن أمام أزمة هوية أم أزمة مجتمع؟

هل نحن أمام أزمة هوية أم أزمة مجتمع؟
خلال السنوات الاخيرة لم يعد الحديث عن الزواج في مصر مرتبطا فقط بتكاليف الزواج وارتفاع اسعار الذهب والاثاث والسكن بل اصبح مرتبطاً ايضاً بمشكلات أسرية وقانونية وانسانية متزايدة فقد ظهرت على الساحة قضايا قتل وعنف ضد الزوجات
وقضايا نفقة وشكاوى من امتناع بعض الازواج عن الانفاق على زوجاتهم وابنائهم إلى جانب الخلافات التي تنتهي بالطلاق والمحاكم والنزاعات حول الحقوق المالية
وفي ظل تعدد جرائم العنف ضد الزوجات في الاونة الاخيرة سواء تلك التي وصلت الى القتل او الاعتداء والتعذيب زادت حالة الخوف والقلق لدى بعض النساء واسرهن من الزواج
ومع تكرار هذه الوقائع وتداولها بصورة واسعة عبر وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي اصبح لدى البعض تخوف من الزواج من المصري ليس بإعتبار ان الرجل المصري عنيف بطبيعته فهذا تعميم غير صحيح
وإنما نتيجة الصورة السلبية التي يمكن ان تتكون لدى المجتمع عندما تتكرر جرائم عنف زوجي بصورة لافتة وهذا التخوف نفسه اصبح عاملا يجب دراسته عند بحث اسباب تغير نظرة بعض المصريات الى الزواج من غير المصريين
وبالتزامن مع ذلك تصاعد الجدل حول ما يعرف بالقائمة وحول من يتحمل تكاليف تأسيس بيت الزوجية وظهرت دعوات تقول ان الزوجة او اسرتها يجب الا تتحمل عبء تجهيز منزل الزوجية
كما ظهرت في المقابل دعوات الى الغاء القائمة باعتبارها سبباً للخلافات او وسيلة ضغط قانونية بين الزوجين ثم تطور النقاش إلى قضية اكبر اذا كان الرجل هو المسؤول عن الانفاق على اسرته
فلماذا تتحمل اسرة العروس جزءاً من تكاليف تجهيز بيت الزوجية؟
ولماذا أصبح تجهيز العروس في مصر في بعض الحالات عبئاً مالياً كبيراً على اسرتها؟ هذه الأسئلة لم تبق داخل نطاق النقاش الأسري وإنما تحولت الى خطاب إجتماعي واسع يدعو الى تغيير شكل الزواج نفسه
فظهرت دعوات الى عدم المغالاة في الجهاز وعدم تحميل أهل العروس أعباء الزواج وعدم الدخول في سباق اجتماعي حول الأثاث والاجهزة والمفروشات
وفي الوقت نفسه ظهرت دعوات أخرى إلى مشاركة الرجل والمرأة في تأسيس بيت الزوجية وفقا لقدرة كل طرف وهنا ظهرت مشكلة أخرى ماذا يحدث عندما تتصادم هذه الدعوات مع الثقافة السائدة التي إعتادت على نموذج معين للزواج تتحمل فيه أسرة العروس جزءاً كبيراً من تجهيز بيت الزوجية
بينما يتحمل العريس تكاليف أخرى؟ وفي خضم هذا الجدل بدأ يظهر لدى بعض النساء نوع من المقارنة بين الزواج من المصري والزواج من رجل أجنبي فبعض الخطابات على مواقع التواصل الإجتماعي تصور الزواج من الأجنبي
باعتباره نموذجاً مختلفاً حيث لا تكون أسرة المرأة مطالبة بالضرورة بنفس الشكل المتعارف عليه في مصر بتجهيز بيت الزوجية وتطرح فكرة أن الزوج هو الذي يتحمل مسؤولياته الأسرية والمالية وفقا لقواعد وثقافة بلده
ومن هنا يجب التوقف أمام ظاهرة الزواج من الأجانب بعيداً عن التعميم. فليس صحيحاً أن كل رجل أجنبي قادر بالضرورة على توفير حياة أفضل وليس صحيحاً أيضا أن كل زواج مصري محكوم بالفشل أو العنف
كما أن المشكلات الأسرية لا ترتبط بجنسية الزوج وحدها ولكن من الخطأ ايضاً تجاهل أن الظروف الإقتصادية والإجتماعية المحيطة بالزواج المصري يمكن أن تؤثر في إختيارات بعض الشباب والفتيات
وهنا يصبح السؤال اكثر عمقاًهل نحن أمام إنتشار طبيعي لفكرة الزواج من جنسيات مختلفة نتيجة الإنفتاح العالمي وتغير ظروف الحياة؟
أم أن هناك أزمة حقيقية في منظومة الزواج المصرية تدفع بعض الفتيات إلى البحث عن نموذج مختلف خارج حدود المجتمع؟ فإذا كانت المرأة المصرية تجد نفسها أمام تكلفة مرتفعة للزواج وضغوط إجتماعية كبيرة ثم تدخل بعد الزواج في نزاعات حول النفقة والإنفاق والقائمة والأثاث والحضانة والطلاق
وفي ظل ما تسمعه وتراه من جرائم قتل أو تعذيب أو اعتداء على زوجات فمن الطبيعي أن يبدأ البعض في مقارنة هذه المنظومة بنماذج زواج أخرى لكن هذه المقارنة يجب أن تكون موضوعية لا أن تتحول إلى صورة مثالية عن الأجنبي في مواجهة صورة سلبية عن المصري والأخطر
من ذلك هو أن نصل الى مرحلة يصبح فيها الزواج من غير المصريين حلا لمشكلات كان من المفترض أن يعالجها المجتمع المصري من الداخل فإذا كانت هناك مشكلة في تكلفة الزواج فالحل هو إصلاح منظومة الزواج وتخفيف تكاليفها
وإذا كانت هناك مشكلة في إمتناع بعض الأزواج عن الانفاق فالحل هو تفعيل القوانين وضمان الحقوق وإذا كان هناك عنف ضد الزوجات يصل في بعض الحالات إلى القتل فالحل هو مواجهة العنف الأسري وحماية النساء والأطفال وتطبيق القانون
وإذا كانت القائمة تتحول في بعض الزيجات إلى مصدر صراع فيجب دراسة المشكلة قانونياً واجتماعياً ووضع حلول تحمي حقوق الطرفين أما إذا كان المجتمع يطلب من أسرة العروس تجهيز جزء كبير من المنزل ثم يلومها على المطالبة بحقوقها بعد الزواج
فهذه أيضاً مشكلة في الثقافة الإجتماعية تحتاج إلى مراجعة وهنا يأتي دور مؤسسات الدولة والأزهر دور الأزهر ليس أن يدعو إلى الزواج من المصري أو الأجنبي وليس أن يتعامل مع الزواج من الأجنبي
بأعتباره تهديداً في حد ذاته وإنما أن يوضح للناس مفهوم الزواج في الشريعة ومسؤولية الزوج عن النفقة وحقوق الزوجة وحقوق الأبناء وحدود المهر والجهاز وأن الزواج ليس مسابقة في حجم الأثاث ولا صفقة مالية بين عائلتين
كما أن مؤسسات الدولة مطالبة بأن تتعامل مع ملف الزواج بأعتباره قضية إجتماعية متكاملة لا مجرد قضايا منفصلة أمام المحاكم فهناك علاقة واضحة بين إرتفاع تكلفة الزواج وتأخر سن الزواج والديون والخلافات الزوجية والطلاق وقضايا النفقة والعنف الأسري
أما مسألة الهوية المصرية فهي تأتي في مرحلة لاحقة من النقاش فمن الطبيعي أن يثير إنتشار الزواج من جنسيات مختلفة تساؤلات حول اللغة والثقافة ودين الأبناء وإنتمائهم خصوصاً عندما يكون أحد الوالدين من ثقافة مختلفة تماماً
لكن هل يمكن أن يكون ما نشهده مجرد تغير إجتماعي طبيعي اًم أن هناك خطة أو توجهات منظمة تستهدف التأثير في بنية الأسرة المصرية وتركيبتها الثقافية ومن ثم التأثير في الهوية المصرية على المدى البعيد؟
وهل يمكن ان يكون تزايد بعض هذه الظواهر بالتزامن مع الضغوط الإقتصادية والإجتماعية التي يمر بها المجتمع المصري بحاجة إلى دراسة أوسع تتجاوز الجانب الإجتماعي إلى دراسة ما إذا كانت هناك مصالح أو جهات أو تحركات تستفيد من هذه التحولات أو تسعى إلى توجيهها؟
هذا سؤال كبير لا يمكن حسمه بالإنطباعات أو بمقاطع مواقع التواصل الاجتماعي وإنما تحتاج الإجابة عنه إلى بحث حقيقي وجمع بيانات وتتبع للإتجاهات ودراسة إجتماعية وإقتصادية وقانونية ومع وجود مؤشرات تستدعي ذلك تتبع على مستوى أمني ومؤسسي ايضا
فالحديث هنا يتعلق بمصر دولة ذات موقع إستراتيجي وتاريخ طويل واجهت عبر تاريخها اطماعاً وصراعات وتدخلاً من قوى مختلفة وكانت هويتها المصرية وثقافتها وتركيبتها المجتمعية دائماً جزءاً من مقومات قوتها
ولذلك فأن السؤال حول اي تغيرات واسعة قد تمس الأسرة المصرية أو تركيبة المجتمع إو هوية الأجيال القادمة يستحق البحث والتتبع الجاد هل هناك بالفعل محاولات منظمة للتأثير في الهوية المصرية أو إضعافها
أو محو بعض ملامحها وسرقة عناصرها الثقافية والحضارية؟ أم أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية للتحولات الإقتصادية والإجتماعية والإنفتاح العالمي وتغير مفهوم الزواج؟
الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون بالظن أو التخمين وإنما بالبحث والتتبع وجمع المعلومات وتحليلها على المستويات الإجتماعية والإقتصادية والقانونية وعند الحاجة على المستوى الأمني حتى يعرف المجتمع حقيقة ما يجري ولا يترك المجال لا للتهويل ولا للتجاهل لكن حماية الهوية لا تعني إتهام كل أجنبي يتزوج مصرية
ولا تعني إعتبار كل زواج مختلط خطراً على الدولة كما لا ينبغي أن تتحول المخاوف المشروعة على الهوية إلى وسيلة للتدخل في إختيارات المواطنين الشخصية إلاخطر على الهوية ربما ليس أن تتزوج مصرية من أجنبي وإنما أن تصبح الأسرة المصرية نفسها عاجزة عن الإستمرار بسبب تكاليف الزواج والصراعات والعنف
وعدم الإستقرار لذلك إذا كانت الدولة تريد حماية الأسرة المصرية والحفاظ على هويتها فعليها أن تبدأ من جذور المشكلة جعل الزواج ممكناً وتخفيف تكلفته ومواجهة العنف وضمان النفقة وحماية حقوق الاطفال وإعادة النظر في العادات
التي حولت الزواج الى عبء اقتصادي كبير وعندها يمكن أن يصبح السؤال الحقيقي هل نريد أن نمنع المصرية من الزواج من الأجنبي خوفا على الهوية؟
إم نريد ان نجعل الأسرة المصرية نفسها قوية ومستقرة بحيث لا تبحث المرأة عن نموذج بديل بسبب شعورها ان منظومة الزواج داخل بلدها إصبحت شديدة التعقيد والكلفة والمخاطر؟ الحفاظ على الهوية لا يكون بمنع المصريات من الزواج من غير المصريين
وإنما بإصلاح الأسباب التي تجعل بعض المصريات ينظرن إلى الزواج من الاجنبي بأعتباره بديلاً أكثر ملاءمة وهنا تحديداً يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي هل ما نراه مجرد تحول إجتماعي فرضته الظروف
أم أن وراء بعض هذه التحولات عوامل أخرى تستحق أن تبحثها مؤسسات الدولة بجدية حفاظاً على الأسرة المصرية وعلى الهوية التي تشكلت عبر الاف السنين؟


