مقالات ووجهات نظر

مقاصل تُنصب باسم “البٍـر” عندما تصبح أقدام الأمهات طريقًا لخراب البيوت

كتبت/ندا سرحان

مقاصل تُنصب باسم “البٍـر” عندما تصبح أقدام الأمهات طريقًا لخراب البيوت 

 تتصدر المشهد المأساوي في محاكمنا اليوم جريمة صامتة ومكتملة الأركان، تصنع رجالاً بلا سيادة أسرية وتدفع بزوجات بريئات إلى مقصلة الطلاق؛

لتشتعل خلف الأبواب المغلقة حر-ب مساحات خفية يُستخدم فيها الابتزاز العاطفي بدم بارد لتدمير الأسر الناشئة. ورغم أن نصوص الدين وقواعد علم النفس تحسم هذه المواجهة الشرسة بقاعدة ذهبية قاطعة تنص على أنه لا طاعة لمخلوق في تخريب البيوت،

إلا أن محاكم الأسرة والمنصات الرقمية لا تزال تنزف يومياً بشهادات حية مروعة، ليبقى الأطفال في نهاية المطاف هم الضحية الأولى لمن يدفعون الفاتورة الأغلى لصراع عبثي تلبس برداء الحب.

عقدة “أوديب العكسية” والتعلق المرضي يصنعان رجالًا بلا سيادة أسرية ••

“تبدأ المأساة دائماً بذات السيناريو الموجع والمتكرر؛ مكالمة هاتفية مسمومة في ساعة متأخرة من الليل، أو عشاء عائلي ينتهي بانسحاب صامت ووجوه متجهمة،

أو لربما نصيحة أمومية مغلفة بالحب الكاذب تتحول تدريجيًا إلى أمر عسكري قاطع لا يقبل النقاش أو الرفض. وفي خضم هذا التدخل السافر، يتحول رباط الزواج المقدس من مساحة أمان وستر تجمع قلبين،

إلى حلبة صراع شرسة بين امرأتين تتنازعان على قلب رجل واحد؛ امرأة أولى أعطته الحياة وترفض إطلاق سراحه من سجن أمومتها، وامرأة ثانية جاءت لتبني معه حياة جديدة لتجد نفسها فجأة متهمة بسرقة ثمرة عمر لا تملكها.

وما يحدث داخل هذه البيوت المستباحة ليس مجرد خلاف عائلي عابر يمكن تجاوزه بجلسة صلح، بل هو التجسيد الحي لما أسماه علم النفس بعُقدة أوديب غير المحسومة. وتتجسد الكارثة المجتمعية الكبرى عندما تقلب الأم الآية الفطرية؛

فتتحول إلى شخص مصاب بـ “عقدة أوديب العكسية”، رافضةً بشكل قاطع قطع الحبل السري النفسي الذي يربط ابنها بها. وبناءً على هذا التشبث المرضي، ترى الأم في زوجة ابنها امرأة دخيلة جاءت لتجردها من نفوذها وسلطانها،

بينما يقع الابن في المقابل تحت طائلة ذنب وهمي يمنعه من الاستقلال، ليظل يمارس دور الطفل الخاضع لأمه، متخلياً بضعف عن دوره الأساسي كرجل حامٍ لزوجته وكيان بيته”

التشريح النفسي •• متي تتحول الأمومة إلى اضطراب استحواذ ؟ 

“وللغوص في الجذور المظلمة لهذا الوعي المشوه، تكشف الغرف المغلقة لعيادات الطب النفسي أن هذه الظاهرة، التي تُعرف بـ “الامتداد النرجسي للأم” أو “الفطام النفسي المشوه”، تعد السرطان الحقيقي الذي ينهش عظام الاستقرار الأسري.

إذ يؤكد خبراء الصحة النفسية أن الأم التي تمارس هذا الضغط تعاني غالباً من اضطراب الاستحواذ العاطفي وفوبيا الفقد، مترجمةً وجود امرأة أخرى في حياة ابنها كتهديد مباشر لمكانتها الوجودية. وتتجذر هذه المأساة قبل يوم الزفاف بعقود،

تحديدًا عندما تقرر الأم التي عانت من جفاف عاطفي أو كفاح مرير، تحويل ابنها الذكر إلى بديل عاطفي ومحور أوحد للكون، لتفرز لنا شخصية “الرجل الاعتمادي”؛ ذلك الذي يمتلك مظهراً خادعاً وكفاءة مهنية عالية،

لكنه عاطفياً ما زال جنيناً في رحم أمه، ليمارس العجز التام أمامها ويفقد غريزة الحماية، محولاً بيته إلى ساحة مستباحة تدفع العلاقة الزوجية نحو الانهيار الحتمي”

وفي هذا المضمار الدامي، يُشهر سلاح حرب المساحات الصامتة وتتوالى التكتيكات غير المعلنة لإعادة فرض السيطرة دون الحاجة لصراخ علني، معتمدة كلياً على الهندسة العكسية للمشاعر وابتزاز الذنب العاطفي.

إذ يدفع الخوفُ الأمَ لا شعورياً لممارسة العدوان السلبي، والذي يتجلى بوضوح في التمارض المفاجئ كلما خطط الزوجان للخروج، أو عبر الانتقاد المبطن واللاذع لأهلية الزوجة في إدارة بيتها. وتحت وطأة هذا الضغط الخانق، يُوضع الزوج في معضلة أخلاقية صعبة يتم فيها التلاعب بمفهوم بر الوالدين لتوظيفه كأداة قمع قاسية،

في حين تجد الزوجة نفسها محاصرة ومراقبة في أدق تفاصيل حياتها، لتتحول من شريكة حياة لها سيادتها، إلى متهمة دائمة تقف في قفص اتهام تقوده الحماة ويشرف عليه زوج مسلوب الإرادة.

محاكم الأسرة والمنصات الرقمية تضج بالشهادات الحية •• والأطفال يدفعون الفاتورة ••

وما إن تفشل الحلول الودية وتوصد أبواب الرحمة، حتى تنتقل المعركة إلى دهاليز المحاكم لتكشف الأرقام الوجه الأكثر قبحاً للأزمة، حيث يؤكد المحامون أن التدخل الصارخ لأم الزوج هو المحرك الخفي لنسبة هائلة من قضايا الامتناع عن الإنفاق أو طرد الزوجة. ومن واقع رصد الشكاوى عبر منصات الدعم الأسري لعام 2026،

تتكشف الفاجعة بوضوح؛ ففي قضايا ما يُعرف بـ “مفتاح غرفة النوم”، تكررت دعاوى الخلع لزوجات تفاجئن بامتلاك حمواتهن لنسخ من مفاتيح الشقق واقتحامهن للخصوصية القصوى في أي وقت، وبدلاً من أن ينتفض الزوج لحماية حرمة بيته، قام باحتجاز زوجته إرضاءً لغضب والدته.

ولم تتوقف المأساة هنا، بل امتدت لقضايا “مصروف البيت المشروط” حيث حرضت الأم ابنها على قطع الإنفاق تماماً عن زوجته وأطفاله لمجرد اعتراض الزوجة على تحكم الحماة المادي. وما يؤكد عمق هذه الجراح النازفة هو اعتراف زوج ممزق روى بمرارة كيف وضعته أمه أمام خيار صريح بطلاق زوجته كشرط لرضاها، ليجد نفسه اليوم وحيداً ومدمراً نفسياً بعد أن هدمت أمه بيته وشتت شمله باسم الحب.

كذلك يبدو أن الفاتورة الأكثر فداحة في هذا الصراع لا يدفعها الزوج الممزق ولا الزوجة المطرودة، بل تُستقطع نقداً ودماً من أرواح الأطفال وصحتهم النفسية. فالجدة، مدفوعة برغبة التملك العمياء،

تمارس تكتيكاً بالغ الخطورة يُعرف بتسميم الأفكار لتشويه صورة الأم أمام أطفالها، مما يصيب الصغار بصدمة الولاء الممزق واضطرابات سلوكية حادة، لينشأ جيل جديد مشوه نفسياً ومهدد بتكرار ذات الدائرة المرضية.

وتصل المعضلة إلى قاع الهاوية إذا ما قرر الابن جمع أمه وزوجته في بيت واحد، مدخلاً إياهما بكامل إرادته في مفرمة الجحيم اليومي؛ حيث يبدأ الإنهاك العصبي للرجل المطالب بفض النزاعات على مدار الساعة، بالتوازي مع اغتيال الخصوصية التام عبر نوبات التمارض المبرمج

التي تستبيح السرير المقدس. وتكتمل المأساة بما يُعرف بالاستغلال المَرَضي للمَرَض، حيث توظف الأم مرضها الجسدي الحقيقي كأداة ضغط لمنع استقلال ابنها، محولةً آلامها إلى سياط نفسية تجلده بها، ليقع الابن في شلل فكري مدمر بين واجبه الإنساني نحو أمه العليلة، ورغبته المشروعة في بناء أسرته وحماية عرض زوجته.

علماء الدين يحسمون المواجهة •• لا طاعة لمخلوق في تخريب البيوت ••

وأمام هذا العبث المستشري الذي يعصف بقدسية الزواج، يقف المنبر الشرعي وفتاوى المؤسسات الدينية الرسمية كدار الإفتاء موقفاً حاسماً لتفكيك هذا الاشتباك الوهمي الذي يخلط بين البر والتبعية المرضية. فقد أكدت الفتاوى القاطعة أن الاستقلالية بمسكن آمن ومستقل هو حق شرعي خالص للزوجة لا يجوز المساس به أو المساومة عليه تحت أي ظرف.

وعلاوة على ذلك، حُسمت حدود طاعة الوالدين بوضوح لا لبس فيه؛ ففي حين عظم الإسلام بر الأم وجعله مفتاحاً للجنة، إلا أن القاعدة الأصولية الصارمة تنص على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مما يجعل تحريض الابن على تخريب بيته وظلم زوجته أو طردها معصية صريحة لا تجب فيها طاعة الأم إطلاقاً، بل يُعد الانصياع لأوامرها التخريبية اشتراكاً كاملاً في الإثم وظلماً بيناً يسأل عنه الرجل أمام الله.

روشتة الانقاذ وضوابط حماية العش ••

وللخروج من هذه الشرنقة المرضية والإفلات من قبضة الاستحواذ العاطفي وتأمين البيوت الناشئة، يتعين على الرجل إدارة الموقف بذكاء استراتيجي وحزم لا يخلو من الحنان عبر روشتة إنقاذ واضحة المعالم. وتبدأ أولى خطوات النجاة بضرورة تأمين المعادلة المكانية عبر حجز شقة للزواج في نفس البناية لضمان استقلالية الزوجة مع سهولة رعاية الأم.

وما إن يتحقق ذلك، تبرز حتمية المصارحة الاستباقية للزوجة بكتالوج الأم وتوضيح ظروفها النفسية بوضوح تام منذ فترة الخطوبة، ليتوج هذا المسار بإعلان قرار الزواج للأم كأمر واقع نهائي ممزوج بالبر دون انتظار إذن لكونه حقاً أصيلاً للرجل.

ولضمان استقرار هذا الكيان الناشئ، ينبغي تطبيق تكتيك الرعاية البديلة المشتركة عبر إشراك الإخوة أو جليسة محترفة لكسر رعب الأم من الفقد المستقبلي، وصولاً إلى الخطوة الأهم المتمثلة في حسم معركة ليلة الزفاف بإدارة نوبات التمارض المصطنع بهدوء شديد عبر استدعاء الطبيب فوراً ثم العودة للزوجة، لترسيخ واقع جديد ينهي حقبة الابتزاز للأبد.

وختامًا، إن الحب الأمومي الصادق والحقيقي ليس قيداً يلتف حول أعناق الرجال ليخنق طموحهم في الاستقرار، بل هو جناحان يُمنحان للابن ليحلق بهما عالياً في سماء الرجولة والمسؤولية.

وتتطلب صحوة الإنقاذ هذه أن يبدأ الزوج، بصفته حارس الكيان وصمام الأمان، بوضع حدود فولاذية صارمة تمنع التدخل السافر في شؤونه، مدركاً إدراكاً يقيناً أن حماية أسرار بيته وخصوصية غرفته هي مسؤوليته الرجولية والشرعية الأولى،

وليست عقوقاً كما يوسوس له الابتزاز العاطفي. وبالمقابل، يقع على عاتق الزوجة، بصفتها شريكة الحكمة، مسؤولية التعامل مع غيرة الحماة بذكاء واحتواء وتجنب معارك كسر العظم، متمسكة في الوقت ذاته بسيادة مملكتها المطلقة عبر اتفاق حازم لا رجعة فيه مع زوجها. وعلى الصعيد المجتمعي الأوسع، لقد دقت محاكم الأسرة ناقوس الخطر الأخير،

ولم يعد مقبولاً إطلاقاً ترك الأسر الناشئة تتخبط في موروثات بالية تُقدس التبعية على حساب الكرامة، بل بات لزاماً فرض دورات تأهيل إلزامية تسبق عقود القران، لتفكيك تكتيكات التدخل الخارجي التي لطالما تغطت بوشاح الحب الزائف، ولتكون هذه الصرخة تحذيراً أخيراً من التمادي في ظلم النفس والغير، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ فمن أراد البرَّ فليأتِه من أبوابه التي لا تفتحُ أبداً على حسابِ تدميرِ البيوتِ واستباحةِ الأرواحِ.

فالاحترام لا يعني السيطرة.

والحب لا يعني الامتلاك.

والبر لا يعني التبعية.

كما أن الأمومة الحقيقية لا تُقاس بقدرة الأم على الاحتفاظ بابنها إلى جوارها، بل بقدرتها على دعمه وهو يبني حياته الخاصة ويؤسس أسرته الجديدة بثقة واستقرار.

وبين أم تخشى الفقد، وزوجة تبحث عن الأمان، ورجل يقف في المنتصف، تتحدد ملامح مصير الأسرة كلها.

فإما أن ينتصر الوعي والحكمة والحدود الصحية، فتستقر البيوت وتزدهر العلاقات، وإما أن يستمر الصراع الخفي في التهام ما تبقى من المودة حتى يتحول الحب ذاته إلى وقود يحرق الجميع.

وحينها لا يكون هناك منتصر واحد بل أسرة كاملة خسرت معركتها قبل أن تدرك أنها كانت تخوضها.مقاصل تُنصب بإسم "البٍـر" عندما تصبح أقدام الأمهات طريقًا لخراب البيوت 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى