ذوي الهمممقالات ووجهات نظر

قضية زواج ذوي الهمم… بين حق أصيل ومسؤولية تستوجب التأهيل.

كتبت د. محاسن عويضه

قضية زواج ذوي الهمم… بين حق أصيل ومسؤولية تستوجب التأهيل. 

قضية زواج ذوي الهمم… بين حق أصيل ومسؤولية تستوجب التأهيل.

 تُعد قضية زواج ذوي الهمم من القضايا المجتمعية المهمة التي تحظى باهتمام واسع لما تثيره من نقاشات متعددة بين اتجاه يؤكد أنها ممارسة لحق أصيل من حقوق الإنسان

واتجاه آخر يشدد على ضرورة توافر مقومات الأهلية والقدرة على تحمل المسؤوليات الأسرية قبل الإقدام على هذه الخطوة وعند دراسة وجهة نظر الرافضين

ونجد أنها تستند إلى أن بعض ذوي الهمم قد لا يمتلكون القدرات أو المهارات اللازمة لتحمل مسؤولية تكوين أسرة أو رعاية الأبناء أو الوفاء بمتطلبات الحياة الزوجية وما يرتبط بها من التزامات ومسؤوليات

 في المقابل ينطلق المؤيدون من مبدأ أساسي يتمثل في أن الزواج حق مشروع لذوي الهمم وأنه لا ينبغي تقييد هذا الحق أو حرمانهم منه متى توافرت لديهم الأهلية والقدرة اللازمة لبناء أسرة مستقرة

ومن هنا يبرز تساؤل جوهري حول مفهوم “الأهلية” والمعايير التي يمكن من خلالها تحديد مدى استعداد الشخص للزواج فهل ترتبط هذه المعايير بنوع الإعاقة ودرجتها؟ وهل تختلف باختلاف الإعاقة هل هي الإعاقة الحركية أو سمعيه ،بصريه ، ذهنية أو الاضطرابات النمائية أو غيرها المزدوجه؟ 

 أم أن هناك معايير عامة يمكن تطبيقها على مختلف الحالات مع مراعاة الخصوصية لكل فرد و أن أعاقات كالحركيه والسمعيه والبصريه لا تمثل عائق أو خطورة ؟

وهنا يطرح الأمر تساؤلات حول الأسس العلمية التي ينبغي الاعتماد عليها في تقييم الاستعداد للزواج فهل يكون ذلك استناداً إلى العمر الزمني فقط؟ أم إلى درجة الإعاقة ونوعها ؟

أم إلى مستوى النضج العقلي والنفسي والاجتماعي؟ أم إلى منظومة متكاملة تجمع بين مختلف هذه العوامل؟ 

فإذا كانت نسبة الإعاقة لا تمثل عائقا مباشراً في حين أظهرت التقييمات النفسية أن الشخص غير مستعد لتحمل مسؤوليات الزواج

أو أن مستوى نضجه العقلي لا يتوافق مع متطلبات الحياة الزوجية فهل يكون الإقدام على الزواج في هذه الحالة محققاً لمصلحته؟ 

وعلى الجانب الآخر إذا كانت الإعاقة تؤثر بشكل جوهري على القدرة على إدراك الحقوق والواجبات الزوجية وتحمل المسؤوليات

فهل يصبح من الضروري إعادة تقييم الأهلية وفقاً لمعايير علمية ونفسية وإجتماعية دقيقة؟ 

ومن المهم التأكيد على أن المجتمع يضم أيضا العديد من الأشخاص غير ذوي الإعاقة الذين قد يفتقرون إلى الاستعداد النفسي أو العاطفي الكافي للزواج وهو ما قد يؤدي إلى تحديات ومشكلات أسرية واجتماعية كبيرة

 ولهذا ظهرت دعوات متزايدة بضرورة لإجراء تقييمات نفسية واستشارية قبل الزواج خاصة بعد أن أثبتت بعض الحالات أن الصحة النفسية والاستعداد العاطفي والاجتماعي تمثل عوامل أساسية لا تقل أهمية عن الجوانب الأخرى المرتبطة بالزواج

 

ومن الناحية العمرية فإن الإعتماد على العمر الزمني وحده لا يكفي للحكم على أهلية ذوي الإعاقة للزواج فبلوغ الشخص سناً معيناً لا يعني بالضرورة إمتلاكه مستوى النضج والقدرات اللازمة لتحمل مسؤوليات الحياة الأسرية

 فعلى سبيل المثال إذا كان الشخص يبلغ من العمر 30 عاماً وقدراته اللغوية والتفاعليه مستوى طفل في العاشرة علي احسن تقدير فهل يمكن اعتبار ذلك كافيا للحكم على أهليته؟ وماذا عن مستوى النضج العقلي إذا كان يعادل ثماني سنوات أو أكثر أو أقل؟

 هل يستطيع في هذه الحالة تحمل مسؤولية الزواج ورعاية الأبناء وإدارة متطلبات الأسرة؟ وهل من المنطقي تجاهل العمر العقلي والاكتفاء بالعمر الزمني والنضج الجسدي والقدرة على التواصل؟

ولو افترضنا أن طفلاً غير ذوي إعاقة يبلغ من العمر العقلي أو الزمني تسع سنوات أو أربع عشرة سنة تزوج فكيف سيكون موقف المجتمع؟

ألن يكون الرفض في هذه الحالة مرتبطاً بعدم اكتمال الأهلية والقدرة على تحمل المسؤولية؟ 

وانطلاقاً من ذلك فإن التعامل مع قضية زواج ذوي الهمم ينبغي ألا يستند إلى التأييد المطلق أو الرفض المطلق بل إلى منهجية متوازنة تقوم على تقييم شامل

يجمع بين البعد الإنساني والمنهج العلمي ويراعي العمر العقلي مقارنة بالعمر الزمني ونوع الإعاقة ودرجتها ونتائج التقييمات النفسية والاجتماعية 

بما يضمن أن يكون قرار الزواج قائما على تحقيق مصلحة الفرد والأسرة والمجتمع مع الحفاظ على حق ذوي الهمم في الزواج متى توافرت لديهم مقومات الأهلية والاستعداد لتحمل المسؤولية

 وعليه فإن هذه القضية تتطلب وضع معايير وضوابط واضحة لتنظيم إجراءات الزواج بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وضمان استقرار الأسرة فإذا كانت الدولة تضع شروطاً وضوابط لتنظيم الزواج بالنسبة لغير ذوي الهمم وتحدد مسؤوليات قانونية عند مخالفتها

فمن الأولى اعتماد معايير أكثر دقة عند النظر في زواج ذوي الهمم تستند إلى تقييم مستوى النضج العقلي وتحديد أدني درجة للعمر العقلي مقبولة كشرط أساسي للزواج والفحص النفسي ومراعاة نوع الإعاقة ودرجتها لضمان أن يكون القرار مبنيا على أسس علمية ومهنية بعيدا عن الاجتهادات الفردية أو الضغوط الاجتماعي

 كما ينبغي أن تضطلع بهذه المهمة جهة متخصصة ومستقلة تخضع للرقابة تضم نخبة من الخبراء في مجالات الطب النفسي والصحة النفسية والتأهيل وعلوم الإعاقة والقانون 

على أن يتمتع أعضاؤها بالكفاءة العلمية والخبرة المهنية اللازمة بما يضمن تحقيق المصلحة الفضلى لذوي الهمم وصون حقوقهم وحماية حقوق الأسرة والأطفال والمجتمع.

قضية زواج ذوي الهمم... بين حق أصيل ومسؤولية تستوجب التأهيل.

قضية زواج ذوي الهمم… بين حق أصيل ومسؤولية تستوجب التأهيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى