صيحة قبل الضياع.. لماذا الإصرار على قيادات تُظلم المنظومة وتُحبط الضمائر؟
صيحة قبل الضياع.. لماذا الإصرار على قيادات تُظلم المنظومة وتُحبط الضمائر؟
بقلم: أحمد المطعني
ليس هجومًا على أحد، ولا مزايدةً على حب الوطن، بل هي شهادة حقٍّ تُمليها ضمائر أحياها الله بحب هذا التراب. إن ما نراه اليوم داخل أروقة منظومتنا التعليمية وفي آلية اختيار بعض القيادات والإصرار على بقائها، يضعنا أمام مشاهد ناطقة بعلامات استفهامٍ لا تُخطئها العين. قد تكون الرؤى صائبة وقد تكون خائبة، لكن “المشهد بألف كلمة”، وما يحدث على أرض الواقع ليس مجرد وجهات نظر، بل هو واقع يمسّ مباشرةً خطًا أحمر لا يقبل العبث: مستقبل أبنائنا، كرامة معلمنا، وجهد الأب الذي يحترق ليؤمّن قوت يومهم، والأم المعلمة التي تمنح مهجتها لجيل يبني الغد.
إن خطورة ما نمر به لا تكمن فقط في خطأ القرار، بل في “عقليّة إدارة القرار”؛ حين يطغى العند والتعالي، ويُخيّم الكبرياء على من يتوهمون أن رأيهم هو الصواب المطلق وما دونه باطل. هذا الفكر المستبد بالرأي هو الذي يدفع بالعملية التعليمية إلى “حجرة مظلمة”، ويُغلق أبواب التطوير الحقيقي.
كشف حساب غائب.. ماذا أضافوا؟ وإن لم يضيفوا فماذا فعلوا؟!
إن أبسط قواعد الإدارة الرشيدة تقضي بحساب “النتائج والإنجازات”، والشارع التعليمي اليوم يسأل بمرارة:
أين هي الإنجازات الملموسة لهؤلاء القيادات على أرض الواقع؟ ماذا أضافوا لبناء الإنسان؟ ما التطوير الحقيقي الذي لمسه المعلم في فصله أو الطالب في مدرسته؟
وإن لم يضيفوا جديدًا.. فماذا فعلوا سوى إعادة إنتاج الأزمات؟ ماذا قدموا غير تعميق الفجوة بين الميدان ومكاتبهم المغلقة، وتصدير قرارات مرتهنة بالعند، وتكريس حالة من التخبط الإداري الذي يلتهم جهود المخلصين؟
وهنا يفرض السؤال الأشد مرارة نفسه: لماذا الإصرار على هؤلاء تحديدًا؟!
لماذا التمسك بقادة أثبت الواقع عجزهم عن إضافة أي بصمة حقيقية؟ ولماذا المكابرة في البقاء على من أوجدوا الفجوة وأغرقوا الشرفاء في الإحباط؟ إن التحليل العلمي والواقعي يجيبنا بلا مواربة:
عقلية “العزة بالإثم”: الخوف من الاعتراف بالخطأ؛ حيث يرى بعض متخذي القرار أن إزاحة قيادة فاشلة تُعد اعترافًا ضمنيًا بسوء الاختيار من الأساس، فيُفضّلون العند والتجديد للمخفقين على حساب مصلحة الوطن.
منطق “الثقة قبل الكفاءة”: تقديم الولاء والتصفيق والموافقات المكتسبَة على حساب قوة الشخصية والرأي الإداري الشجاع الذي يهدف للإصلاح.
التقارير الزائفة والجمود الإداري: الاعتماد على تقارير مكتبية ورقية تُجمّل الواقع وتُخفي المرار الذي يعيشه الميدان التعليمي يوميًا، مع خشية غير مبررة من التغيير تحت مبرر الخوف من المجهول.
ونتيجة هذا الإصرار غير المبرر، ينفطر القلب على فئة أصيلة ومخلصة من القيادات؛ رجال ونساء تريّبوا على أصول التربية السليمة، ومخافة الله، والشرف المهني، والضمير الحي.. هؤلاء الذين نراهم اليوم يغرقون في شعور شديد بالاحباط والخذلان المرّ؛ حين يشاهدون بأعينهم كيف يعلو الفاسد وتُسند إليه الأمور، بينما يُهمّش صاحب الضمير ويُحارب حتى يغدو بلا مكان! نعم، نقولها بكل صراحة: أرجوكم، لا تنساقوا وراء واقعٍ يُعلي شأن الفاسد ويقصي صاحب الضمير، فإن في إقصاء الأحرار خرابًا للذمم وضياعًا للأمانة.
ولهذا نردّ بصوتٍ هادر على أصحاب “ثقافة الإحباط” ومروّجي نغمة “هذه هي القماشة ولن تتغير”؛ فنقول لهم: هذا الادعاء عارٍ تمامًا عن الصحة، وهو نتاج خيالٍ مريض يُريد زراعة اليأس في نفوس المصريين. إن التاريخ والواقع يثبتان أن هذه الأمة لم تُبْنَ بالتشكيك، بل صمدت ببركة الله وتماسك شرفائها.
الشرع والسياسة في مواجهة الرويبضة:
إن ما نمر به من محاولات تصدير غير ذوي الكفاءة للقيادة قد حذّر منه الدين، وأشار إليه الواقع السياسي:
قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} [البقرة: 206]؛ وهو أدق تشخيص لمن تأخذه كبرياء المنصب عن سماع صوت الحق والعدل. كما قال جلّ جلاله: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 17].
وقال رسول الله ﷺ: «سيأتي على الناس سنوات خداعات… وينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».
وفي الخطابات المتكررة للرئيس عبد الفتاح السيسي، طالما أكد سيادته على أن: “مصر لن تبنى إلا بالعمل والإخلاص والتجرد، وأن بناء الإنسان والتعليم هما أصل الأمن القومي المصري، ولن نترك مجالاً للفساد أو عدم الكفاءة”، مشدداً دائمًا على أن كفاءة الإنسان وشرفه هما المعيار الحقيقي للبناء.
إن حبنا لمصر ليس رياءً، ولن نتصنع التعالي على وطن علمنا الصبر والكرامة. كل ما يجري على أرض الواقع هو بقدَر الله وإرادته، نرضى بقضائه، لكن الرضا بالقدر لا يعني السكوت عن الباطل أو التغاضي عن نصرة المظلوم وإصلاح الخلل. فالصبر الذي نتحلى به هو صبر الأقوياء الواثقين بأن الحق باقي والباطل زاهق، وأن الله إذا أراد شيئًا قال له “كُنْ فَيَكُونُ”.
إلى كل قيادة شريفة تشعر بالخذلان، وإلى كل من يظن أن سياسة العند والتشكيك ستكسر عزيمة هذا الشعب: واهمون أنتم! فصاحب الحق لا يتغير، وضمير الشرفاء لا يُباع ولا يُشترى. ستظل مصر فوق الجميع، ورغم أنف الجميع، وستبقى المنظومة التعليمية أمانة في أعناقنا حباً في الله، وحفاظاً على أرض هذا الوطن، ومن أجل مستقبل أولادنا
صيحة قبل الضياع.. لماذا الإصرار على قيادات تُظلم المنظومة وتُحبط الضمائر؟



