مقالات ووجهات نظر

” الذين غابوا كي لا تغيب مصر”

أحمد حمدي

” الذين غابوا كي لا تغيب مصر”

" الذين غابوا كي لا تغيب مصر"

بقلم . محمد شكري

” الذين غابوا كي لا تغيب مصر”

إن للغياب وجوه وليس كل وجه كالآخر، وليست كل الغيابات سواء؛ فثمة غياب تطويه الأيام، وتسترده الذاكرة كلما مرَّ طيف عابر أو أعادت المصادفة فتح نافذة قديمة على أحداث التاريخ،

كأنما تذكره مقرون بحدث عارض، وثمة غياب يظل عصيًّا على النسيان، كأن صاحبه لم يرحل تمامًا، وإنما أودع روحه في رحاب المكان، ومضى تاركًا خلفه أثرًا لا تستطيع السنون محوه أبدًا.

ولعل أشد الغيابات وجعًا تلك التي لا تنتهي عند فقد أصحابها، بل تمتد إلى الذين ظلوا بعدهم يحملون حكاياتهم، ويعيشون ما تبقى من أعمارهم على ضفاف ذكرى لا تجف… 

وفي السادس من أكتوبر، لا ينبغي لذاكرتنا أن تتوقف عند مشهد العبور وحده، ولا أن تختزل الحكاية في دوي المدافع، وتراشق الرصاص وقعقعة البنادق، وفرقعة القنابل واندفاع الرجال نحو الضفة الأخرى…

فثمة حكاية أكثر إنسانية كانت تجري بعيدًا عن ساحات القتال، في بيوت أُغلقت أبوابها على انتظار، وفي عيون أمهات تعلقت بالطرقات،

وفي قلوب زوجات لم تكن تعرف أن بعض الوداعات لا يعقبها لقاء، وفي طفولة كانت تنتظر عودة أبٍ لم تتح لها الحياة فرصة أن تعرفه إلا من خلال صورة وحكاية.

كان هناك رجال خرجوا من بيوتهم يحملون أحلامًا تشبه أحلامنا.

لم يكونوا من طينة أخرى، ولم تكن الحياة قد أغلقت في وجوههم أبوابها حتى يزهدوا فيها.

كانت لهم رغبات صغيرة لا تختلف عن رغبات سائر البشر، أن يعودوا إلى بيوتهم، وأن يكبر أبناؤهم أمام أعينهم، وأن يشهدوا أعوامًا أخرى، وأن يجلسوا ذات مساء إلى موائدهم، فيكون ما جرى مجرد ذكرى بعيدة يروونها لمن يأتي بعدهم.

لكنهم مضوا إلى حيث كان ينبغي أن يمضي الرجال حين تصبح الأرض أمانة، ويغدو الدفاع عنها واجبًا لا يحتمل التأجيل. فلم يكن أحد منهم يعلم، وهو يودع أهله، أن تلك اللحظة العابرة ستغدو يومًا آخر تحتفظ به الذاكرة وتخلد ذكراه…

وأن الباب الذي خرج منه قد يظل مفتوحًا في وجدان أمه أعوامًا، وأن مقعده الخالي على مائدة أسرته سيحمل من الحضور ما تعجز عنه وجوه كثيرة،

وأن أبناءه ربما سيكبرون وهم يتلمسون ملامحه في صور قديمة، محاولين أن يتخيلوا كيف كان صوته، وكيف كانت ضحكته، وكيف كان يناديهم لو أمهلته الحياة ليشهد طفولتهم.

وليس في وسع كتب التاريخ، مهما بلغت دقتها، أن تروي هذه التفاصيل كلها؛ فهي تسجل حركة الجيوش، وتؤرخ للقرارات، وتوثق الوقائع، وتحصي نتائج المعارك، لكنها لا تستطيع أن تسجل ارتجافة قلب أم حين طال غياب ابنها، ولا أن تصف ذلك الصمت الذي يعقب وصول خبر الفقد، ولا أن تقيس المسافة بين باب ظل ينتظر صاحبه، وعمر كامل انقضى دون أن يعود.

إن وراء كل اسم من أسماء الذين رحلوا حياةً كاملة لم نعرف منها إلا خاتمتها... وراء كل شهيد حكاية لم تكتمل، وأمنية لم تجد طريقها إلى التحقق، وموعد تأجل إلى الأبد. وربما كان أكثر ما يستحق أن نتأمله في تضحياتهم أنهم لم يذهبوا إلى ميادين القتال لأنهم لم يحبوا الحياة،

بل لأنهم أحبوها بما يكفي ليحموا حق الآخرين فيها؛ لم يضحوا بأعمارهم استخفافًا بها، وإنما لأنهم رأوا أن للأوطان من الحقوق ما قد يعلو، في لحظة فارقة، على أعز ما يملكه الإنسان.

وهنا تتجلى الوجوه الأخرى للحقيقة التي تستوقف القلب طويلًا، حيث إن الذين خرجوا ليحموا حياة ملايين من المصريين، لم يعرفوا كيف ستكون ولا متى ستنتهي، ولم يعودوا ليشهدوا شيئًا مما أسهموا في صناعته؛

فلقد تركوا للآخرين شوارع يمشون فيها آمنين، وبيوتًا تظل مأهولة بأصحابها، وأطفالًا يكبرون دون أن يضطروا إلى أن يحملوا السلاح في مقتبل أعمارهم. غابوا عن تفاصيل الحياة التي دافعوا عنها، وتركوا لنا أن نعيشها؛ كأنهم أودعوا أعمارهم في مستقبل لم يُكتب لهم أن يبلغوه.

ونحن حين نستعيد السادس من أكتوبر، لا نستعيد انتصارًا عسكريًا فحسب، وإنما نستعيد لحظة تاريخية فارقة في حياة كل مصري استعادت فيها أمة ثقتها بقدرتها على النهوض بعد الانكسار والانتكاس.

فقد جاء العبور في السادس من أكتوبر عام 1973، بعد سنوات من مرارة الهزيمة، ليكسر جدارًا من اليأس، ويعيد إلى المصريين إيمانهم بأن ما يبدو مستحيلًا في حسابات اللحظة قد يصبح ممكنًا حين تجتمع الإرادة بالتخطيط والعمل والتضحية والعزيمة الصلبة.

ولم يكن اقتحام قناة السويس واجتياز خط بارليف مجرد إنجاز ميداني، بل كان تحولًا في الوعي الوطني، واستردادًا لحق أمة في أن تنظر إلى مستقبلها دون أن تظل أسيرة لجرح ماضيها.

لكننا، ونحن نحتفي بتلك اللحظة، ينبغي ألا ننسى أن النصر لم يكن مشهدًا واحدًا عابرًا، ولا حكاية تُروى في يوم من أيام العام ثم تُطوى بانقضاء الاحتفال. فلقد كان وراء ذلك النصر العظيم، بعد إرادة الله،

رجال بذلوا من أعمارهم وأجسادهم وأحلامهم ما لا يمكن أن تفيه الكلمات حقه، وكان وراءه شعب كامل عاش أيام الحرب بقلقه وصبره ومساندته، وأسر تحملت وطأة الغياب حينًا من الدهر، وأمهات وزوجات وآباء وأبناء تقاسموا مع المقاتلين، كلٌّ من موقعه، كلفة تلك الأيام الجاسئة.

وكان وراء هؤلاء جميعًا رجالٌ حملوا عبء التخطيط والإعداد والقيادة، حتى بدا النصر في ساعته كأنه لحظة واحدة، بينما كان في حقيقته حصيلة أعوام من العمل الصامت.

فكان الفريق أول عبد المنعم رياض واحدًا من أبرز رجال المرحلة التي أعادت بناء القوات المسلحة بعد نكسة 1967، وأسهم في إعادة الروح والثقة إلى صفوف الجيش خلال حرب الاستنزاف، حتى ارتقى شهيدًا على الجبهة في التاسع من مارس 1969.

وكأن قدره أن يضع بدمه حجرًا في الطريق الذي أفضى، بعد سنوات، إلى أكتوبر المجيد. ثم جاء رجال أكملوا المسيرة، وفي مقدمتهم الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة في السنوات التي سبقت معمعة الحرب ومُعتركها،

والفريق أول أحمد إسماعيل علي، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة عند اندلاع حرب أكتوبر، ومعهما قادة الأسلحة والتشكيلات والوحدات الذين حملوا الخطة من غرف القيادة إلى أرض المعركة، حتى صار ما بدا في نظر كثيرين قبل سنوات حلمًا بعيدًا واقعًا ترفرف فوقه راية مصر على الضفة الشرقية للقناة.

ولم يكن أولئك القادة أسماءً تتقدم الصفوف في الكتب ثم تنصرف من المشهد، كانوا رجالًا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حمل كل واحد منهم نصيبه من عبء اللحظة،

ومن القلق الذي لا يراه الناس خلف القرارات العسكرية، ومن مسؤولية أن يضع حياة آلاف الرجال في كفة، ومستقبل وطن كامل في الكفة الأخرى. ومن هنا لا يصبح نصر أكتوبر مجد فرد أو قائد، وإنما ثمرة منظومة كاملة من الرجال…

من القائد الذي وضع لبنة البناء، إلى من تولى التخطيط، إلى من قاد القوات، إلى الجندي الذي حمل سلاحه وعبر، وإلى الشهيد الذي لم يرَ اكتمال الحكاية.

وتلك هي عظمة النصر حين يُقرأ بعيون التاريخ والإنسان معًا؛ لنجد أنه لم يولد في السادس من أكتوبر وحده، وإنما سبقته سنوات من الإعداد والتضحيات، وكتبه رجال بأقلام من عرقهم ودمائهم. وقد حفظت وزارة الدفاع وثائق التخطيط الاستراتيجي ومذكرات القادة وعمليات الحرب، بما يكشف أن العبور كان ثمرة إعداد عسكري واستراتيجي ممتد، لا اندفاعة عابرة في لحظة تاريخية.

فليس الشهيد وحده من دفع ثمن الفقد، ثمة أحياء حملوا بعده نصيبًا من ويلات تلك المعارك، وإن لم تطأ أقدامهم أرض القتال… نجد أُمًَّا ظلت تحفظ ثياب ابنها، وزوجة تعلمت أن تواجه العالم بنصف قلب، وطفل صار أبوه ذكرى قبل أن يصير له أبًا، وأبٌ كان عليه أن يتقبل أن ابنه الذي رباه ليشتد عوده، قد سبق عمره إلى الخلود في ذاكرة وطنه.

هؤلاء أيضًا ينبغي أن تتسع لهم ذاكرتنا؛ لأن التضحية لا تنتهي عند لحظة الرحيل، وإنما تظل آثارها ممتدة في حياة الذين تركهم الراحلون خلفهم. وليس من الوفاء في شيء أن نستدعي أسماءهم في المناسبات وحدها، ثم نمضي كأننا أدينا ما علينا بمجرد أن أدينا لهم التحية.

فالوفاء الحقيقي لا يقاس بارتفاع الصوت عند ذكرهم، وإنما بما نفعله بالأمانة التي تركوها لنا. لقد دافعوا عن أرض كي تظل لنا، وعن وطن كي يبقى قادرًا على احتضان أبنائه، وعن مستقبل لا ينبغي أن نبدده في الغفلة واليقظة أو التنازع أو الاستخفاف بقيمة ما نملك.

إن الأوطان لا تُصان بالذكريات وحدها، وإن كانت الذكريات تحفظ لها جذورها، ولا تُبنى بالأمجاد القديمة وحدها، وإن كانت الأمجاد تمنح أبناءها ما يستمدون منه الثقة والعزيمة.

وإنما تصان حين تتحول دروس الماضي إلى مسؤولية في الحاضر، وحين يدرك كل جيل أن ما ورثه لم يكن منحة بلا ثمن، وأن وراء كل شبر من أرضه تاريخًا من الصبر والكدح والتضحيات.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا أمامنا، ونحن نقلب صفحات أكتوبر، ليس فقط في كيف عبر أولئك الرجال إلى الضفة الأخرى؟ بل أيضًا:

ماذا ينبغي لنا أن نفعل نحن كي لا تضيع المعاني التي عبروا من أجلها؟

فليس كافيًا أن نرث منهم ذكرى النصر، علينا أن نرث منهم معنى المسؤولية، وأن نعرف أن حب الوطن لا يكتمل بمجرد التغني بتاريخه، وإنما يتجلى في صونه، وفي العمل من أجل نهضته، وفي الإخلاص لأبنائه، وفي ألا نترك ما بذلوا أرواحهم لحمايته نهبًا للإهمال أو النسيان.

إن أكثر ما يوجع في حكايات الراحلين أنهم لم يكونوا يعلمون أي مستقبل ينتظرهم لو عادوا؛ وربما كان بين أحلامهم ما يشبه أحلامنا اليوم: بيت يريدون إتمامه، وطفل ينتظرون أن يكبر، وطريق يتطلعون إلى عبوره، وعمر يظنون أن أمامهم متسعًا ليعيشوه…

غير أن الحياة — في بعض منعطفاتها الكبرى— تضع الإنسان أمام اختيار يتجاوز حدود حياته الفردية؛ فيغدو ما يفعله أكبر من أن تستوعبه أيامه، وأبقى من أن ينتهي بانتهاء عمره.

وهكذا، بعد أعوام طويلة، لا تزال أسماؤهم حاضرة في وجدان مصر وذاكرة أبنائها، لا لأن الموت منحهم قيمة لم تكن لهم، بل لأن ما بذلوه كشف عن قيمة كانت كامنة فيهم، ولأن الأوطان،

مهما إمتدت بها السنون، لا تنسى الذين حملوا عنها أثقال لحظاتها العصيبة.

وحين نمر اليوم أمام نصب الجندي المجهول، أو تقع أعيننا على صورة جندي من جنود أكتوبر، فلعل الأجدر بنا أن نتوقف قليلًا، لا لنستحضر البطولة في صورتها المجردة فحسب،

بل لنتخيل الإنسان الذي كان وراءها، ذلك الذي ربما أحب أقصوصة بعينها، أو احتفظ برسالة من أمه، أو وعد طفلًا بعودة قريبة، أو ترك على عجل شيئًا لم يكن يعلم أنه سيظل شاهدًا على حياة لم تكتمل. فما أعظم أن يكون للإنسان عمر يعيش فيه، وما أعظم أن يترك بعد رحيله معنى يظل حيًّا في أعمار الآخرين.

لقد غابوا، نعم، لكن غيابهم لم يكن فراغًا، وإنما صار أمانة ووعيًا خالدين ما بقيت مصر. ولم تكن تضحياتهم صفحة من ماضٍ انقضى، بل جزءًا من الحاضر الذي نعيشه، ومن المستقبل الذي يتعين علينا أن نصونه.

وسيظل السادس من أكتوبر يذكرنا بأن الأوطان لا تحفظها الجغرافيا وحدها، وإنما تحفظها كذلك سواعد أبنائها، وذاكرة شعبها، واستعداده لأن ينهض كلما حاولت المحن أن تثنيه عن طريقه.

ولعل أصدق ما يمكن أن نقدمه لأولئك الذين لم يعودوا، ألا نكتفي بالبكاء على أعمارهم التي انقضت، بل أن نحسن العناية بالأعمار التي أبقوها لنا، وأن نجعل من ذكرى رحيلهم باعثًا على حياة تليق بما بذلوه، لا مناسبة عابرة نستعير فيها كلمات الفخر ثم نعيدها إلى صمتها. 

فثمة رجال لم يمهلهم القدر ليشهدوا مصر التي حلموا بها، لكنهم تركوا لنا حق الحلم بها، وواجب العمل من أجلها.

سلامٌ على الذين خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا، وعلى الذين ظلوا ينتظرونهم حتى آخر العمر، وعلى كل قلب حمل وجع الغياب ولم ينسَ أن وراءه وطنًا يستحق أن يبقى.

سلامٌ على الذين غابوا عن أعيننا، كي لا تغيب مصر عن خريطة الأوطان، ولا عن ذاكرة أبنائها، ولا عن حقها في أن تحيا مرفوعة الرأس.

 

” سلامٌ على الذين غابوا كي لا تغيب مصر “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى