مقالات ووجهات نظر

الحرية تبدأ من الداخل بقلم: د/ ثناء العمدة

بقلم: د/ ثناء العمدة

في زمنٍ تتسارع فيه العلاقات وتتشابك فيه المشاعر على نحوٍ يربك الكثيرين، أصبحت فكرة “القدرة على أن تكون وحيدًا” تبدو وكأنها نقيض للحب. لكن الواقع يقول عكس ذلك تمامًا. كثير من العلاقات اليوم لا تبدأ بدافع المشاركة، بل بدافع الهروب من الوحدة، وكأن الطرف الآخر يصبح وسيلة لملء فراغ داخلي لا أكثر.

القدرة على البقاء مع النفس بسلام ليست عزلة كما يظن البعض، بل هي أحد أهم مؤشرات النضج النفسي. فوفقًا لما تشير إليه دراسات علم النفس، خاصة في إطار “نظرية التعلق” (Attachment Theory)، فإن الأشخاص الذين يتمتعون باستقلال عاطفي يكونون أكثر قدرة على بناء علاقات مستقرة وصحية، لأنهم لا يدخلونها بدافع الخوف من الفقد، بل بدافع الرغبة الحقيقية في القرب والمشاركة.

من يتصالح مع وحدته لا يقترب من الآخرين حدّ الاحتراق، ولا يذوب فيهم حتى يفقد نفسه. بل يقترب بوعي وهدوء، يمنح دون مبالغة، ويحب دون أن يحوّل الطرف الآخر إلى مصدر وحيد لسعادته. وهنا يظهر الفرق بين الحب الناضج والتعلق؛ فالأول اختيار متجدد، أما الثاني فاحتياج مستمر.

وقد عبّر المفكر إريك فروم عن هذه الفكرة بوضوح حين قال إن الحب الحقيقي هو “اتحاد مع الحفاظ على الاستقلال”. أي أن العلاقة الصحية لا تُلغي فردية الإنسان، بل تعززها. فكل طرف يظل كيانًا قائمًا بذاته، يختار الآخر يوميًا، لا يتمسك به خوفًا من أن يكون وحيدًا.

كما تؤكد أبحاث حديثة في علم النفس الإيجابي أن الاعتماد العاطفي المفرط يرتبط بارتفاع مستويات القلق وانعدام الأمان، بينما يرتبط الاستقلال النفسي بارتفاع الرضا عن الحياة والعلاقات. ولهذا، فالشخص الذي لا يخشى الفقد لا يتشبث بالآخر بشكل مرضي، بل يحبه بهدوء، ويمنحه الحرية دون خوف.

ونرى ذلك بوضوح في حياتنا اليومية؛ فالعلاقات الأكثر توازنًا ليست تلك التي يقوم فيها أحد الطرفين بدور “المنقذ”، بل تلك التي يلتقي فيها شخصان مكتملان نسبيًا، يضيف كلٌ منهما للآخر دون أن يلغيه. فالحب هنا لا يكون هروبًا من الوحدة، بل مساحة أمان يختارها الطرفان بإرادتهما.

وربما مرّ كثيرون بتجربة شعروا فيها أنهم فقدوا أنفسهم داخل علاقة، فقط لأنهم لم يكونوا مستعدين لمواجهة وحدتهم.

في النهاية، القدرة على أن تكون وحيدًا ليست ضعفًا كما يُشاع، بل قوة داخلية هادئة. هي التي تمنح الإنسان حرية الاختيار، وتجعله قادرًا على أن يحب دون خوف، وأن يقترب دون أن يفقد نفسه. فحين نتصالح مع وحدتنا، لا نصبح أقل حاجة للآخرين، بل نصبح أكثر قدرة على أن نحبهم بشكلٍ صحي… دون أن نضيع فيهم.

 

الحرية تبدأ من الداخل
بقلم: د/ ثناء العمدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى