مقالات ووجهات نظر

*التيك توك بريق زائف*

فاطمه المصري

*التيك توك بريق زائف*

*التيك توك بريق زائف*

*التيك توك بريق زائف*

ليس كل ما يلمع ذهبًا. بدأ التيك توك كدقيقة هروب من ضغط اليوم، ثم تمدد حتى صار هو من يختار لنا. تحولت الشاشة من نافذة إلى مرآة، ثم إلى ساحة اختبار يومي يسألنا: أين الترند؟ لماذا لا تشبه حياتنا ما نراه؟

الترندات لها وجهان. وجه يصنع لحظة ضحك، ووجه يترك أثرًا ثقيلًا. رأينا تحديات سببت إصابات، ومقارنات كسرت الرضا عن الشكل والحياة، وموضات شراء جعلت بيوتًا تميل بلا داعٍ.

لكن الأخطر كان ما حدث داخل العلاقات. دخلت الشاشة طرفًا ثالثًا بين الأزواج. طرف يقارن شريك حياته بوجه مصفى ولقطة مرتبة في ثوانٍ،

وطرف آخر يقارن بيته بصورة مثالية لا تعكس الواقع. فاشتعلت الشكوك، وبدأ الصمت، ثم الخصام، ثم انهارت بيوت كان يمكن أن تستمر لو لم يدخلها ترند عابر. صار البعض يوثق الخلاف قبل أن يحله، لأن المشهد صار أهم من الصلح.

وفي بعض الحالات قد يدفع هوس الظهور شخصًا إلى أن يوقع الأذى بغيره، أو يخرب بيته، أو يغضب أولاده، فقط ليصنع ترندًا، بينما لا ذنب لأهله إلا أنهم وقعوا في إطار كاميرته.

الخطر ليس في الفيديو نفسه، بل في الإحساس الذي يزرعه. إحساس أننا دائمًا متأخرون. أن غيرنا يعيش حياة كاملة ونحن نقف مكاننا. التيك توك يعرض ألف حياة في ساعة، فننسى حياتنا الواحدة التي تحتاج عمرًا لنعيشها كما هي.

والحقيقة أن الشاشة لا تعرض الصورة كاملة. لا أحد يصور تعبه، ولا ساعاته الطويلة من الملل، ولا لحظاته التي بكى فيها وحده. الجميع يعرض الواجهة ويخفي ما خلفها. وخطأنا أن نقارن ما خلف كواليسنا بواجهة غيرنا، ثم نسأل لماذا قلوبنا مثقلة.

كيف نستخدم التيك توك دون أن يجرفنا التيار؟ نكون نحن أصحاب القرار لا المنقادين. ندخل التطبيق وفي اليد نية واضحة لا فراغ. الفراغ يملأه الترند، أما النية فتوجهنا. إن كنا نبحث عن تعلم بحثنا عنه، وإن كنا نريد فنًا تابعنا أهله. ومن لا يعرف ماذا يريد، فالصمت عن التطبيق أرحم من الضياع فيه.

ونتعلم الفرق بين الإلهام والتقليد. الإلهام يوسع الطريق ويقول جرب طريقتك. أما التقليد فيضيق المساحة ويقول كن نسخة. إذا وجدنا أنفسنا نغير بيوتنا أو طباعنا أو علاقاتنا فقط لأن الفيديو انتشر، فهذه إشارة توقف.

ولحماية البيوت قاعدة واحدة تكفي: لا تدخل المقارنات غرفة الجلوس. الشريك الحقي هو من يشارك الأيام العادية لا اللقطات المزينة، والصبر لا البهرجة. نجعل للبيت حرمة بلا هواتف، ووقتًا للحوار أطول من وقت التمرير. لأن الكلمة الحقيقية أقوى من ألف تعليق.

ونضع للشاشة حدودًا كما نضع للبيت بابًا. وقت محدد في اليوم، وحذف لكل ما يخنقنا دون تردد. ما يزرع الغيرة نحذفه، وما يدفع للهوس نحذفه. التطبيق لا يتأثر إذا ابتعدنا، لكن نحن نتأثر إذا بقينا بلا وعي.

الترند يموت بسرعة. اليوم صوت، غدًا رقصة، وبعده لا أحد يتذكره. لكن ما يبقى هو نحن. عقولنا، بيوتنا، وعلاقاتنا الحقيقية بلا فلتر. فلا نبيع ما يبقى مقابل ما يزول.

التيك توك سوق واسع. فيه علم وضحك ووهم. العاقل يدخل ليشتري ما يحتاج ويخرج. يستخدم الشاشة ولا يسمح لها أن تستخدمه. لأن الحياة ليست فيديو من خمس عشرة ثانية،بل فيلم طويل نحن أبطاله.

*التيك توك بريق زائف*

*التيك توك بريق زائف*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى