التعليم إلى أين؟ صرخة أب لا خصم “الابن يسأل والأب يجيب”
سلسلة أسبوعية..تقدمها المساء العربي بقلم/ أحمد المطعني
التعليم إلى أين؟ صرخة أب لا خصم “الابن يسأل والأب يجيب”
بقلم/ أحمد المطعني
جلس الأب يراقب ابنه الصغير وهو يغالب النعاس فوق كتبه المدرسية المكدسة، بينما تحيط به كشاكيل الدروس الخصوصية، فلاحظ علامات الإجهاد الشديد على وجهه. بادر الأب بحنان ليخفف عنه، فبدأ بينهما هذا الحوار الحقيقي الذي يلمس عصب الوجع والأمل معاً:
* الابن (متسائلاً بنبرة تعب): يا أبي، أحياناً أشعر أن التعليم أصبح وكأنه سباق مرهق لا نهاية له. لماذا تصر المدارس والكتب على تحميلنا ما لا نطيق، وكأن الطفولة جريمة يجب عقابنا عليها؟
* الأب (مربتاً على كتفه): يا بني، اسمعني جيداً؛ إن قضية التعليم في مصر ليست مجرد ملف ضمن خطط التنمية، بل هي قضية أمن قومي وهُوية وطنية؛ فهي تمس عصب المجتمع وتلامس أحلام كل أسرة.
ولأننا بلد له جذور عميقة في صناعة العلم، فإن السعي نحو التطوير واجب. بيد أن نجاح أي إصلاح استراتيجي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى تناغمه مع طبيعتك النفسية، واحترامه لكرامة معلمك، وتطابقه مع الإمكانات الفعلية على أرض الواقع. العملية التعليمية في جوهرها بناء متدرج يخضع لقوانين التطور النفسي والعقلي للطفل.
* الابن: لكن يا أبي، ألا يدركون أننا أطفال؟ لماذا أشعر أحياناً أننا نتحمل ضغوطاً تفوق أعمارنا بكثير؟
* الأب: صدقت يا بني؛ فالطفولة ليست ميداناً للقفز العشوائي. محاولات فرض التطوير بقوة الإجبار أو عبر ضغوط تتجاوز قدراتكم العمرية تؤدي لنتائج عكسية، إذ تتحول المدرسة من بيئة لاكتشاف المواهب إلى مساحة لاستهلاك طاقاتكم وكسر طموحاتكم البريئة وتذوب زهرة الطفولة قبل أن تتفتح.
ولعلني لا أبالغ إن قلت إنها مذبحة للإبداع الذي يشهده التعليم هذه الفترة؛ خاصة أن الأنشطة انعدمت، وهي التي كان يفرغ فيها الطلاب طاقاتهم، فضلاً عن أن اليوم أصبح بالنسبة للطالب مطحنة مؤرقة ومكتئبة، وفقد معها الطالب متعة التعلم. إعطاء الطفل حق أن يعيش طفولته ليس رفاهية تربوية، بل هو الشرط الأساسي لبناء إنسان سوي قادر على الإبداع.
* الابن: حقاً يا أبي، أحياناً أدخل المدرسة فأشعر أن البيئة نفسها طاردة، وكأننا في معسكر ضغط لا في مكان للعلم!
* الأب (بحزن متحسر): وحين نتحدث عن الواقع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: أين البيئة الصحية لأولادنا؟ للأسف، باتت هذه البيئة شبه معدومة. أنا هنا لست ضد أحد ولا في صف أحد بعينه، بل أنا “ترس” في هذه المنظومة، وأب يعود أولاده من المدارس ليحكوا له تفاصيل تدمي القلب، وصدقوني.. كم أكون حزيناً ومقهوراً وأنا أسمع وأرى.
* الابن (مستدركاً بابتسامة خفيفة): لكن يا أبي.. ليس كل المعلمين هكذا؛ ففي المدرسة أستاذة فلانة وأستاذ فلان يقفان معنا بكل إخلاص وكأنهما يبذلان الروح!
* الأب (متهللاً): أحسنت يا بني، وفي وسط كل هذه العتمة والوجع، يبرز دائماً بصيص من النور؛ معلم أو معلمة يطل برأس مفعم بالشرف والإخلاص، معلماً ما زال ضميره حياً لم يمت، يرفض السقوط في مستنقع الاستغلال، ويضرب مثلاً يحتذى به. هؤلاء وحدهم هم من يتركون في نفوسكم بريق أمل بأن الخير باقٍ في هذا الوطن، وأن رسالة العلم المقدسة لم تمت بعد.
* الابن: إذن لماذا هناك فجوة واسعة يا أبي بين ما تقوله الكتب وما نراه حقاً في الفصول؟
* الأب: لأن الفجوة بين الأوراق وواقع الميدان كبيرة؛ الإنجازات الكبرى والابتكارات المخططة على الورق تحمل نوايا حسنة، غير أن التحدي يكمن في كفاءة التنفيذ. حين ينزل المخطط إلى الواقع، يصطدم بأدوات تعليمية وبنية تحتية تعاني من الهلاك والقصور؛ مما يخلق حالة من الإحباط لدى أطراف المنظومة: الطالب، والمعلم، وولي الأمر.
* الابن: وتلك المظاهر التي نراها يومياً من عجز المدرسين والدروس والكتب الخارجية… إلى أين ستأخذنا؟
* الأب: المتأمل للواقع التعليمي اليوم يرى بوضوح أن التحديات البنيوية تحولت إلى مثلث أزمات راسخ:
* عجز المعلمين الصارخ: ما زال يعطل انتظام العملية التعليمية بالشكل الأمثل داخل المدارس.
* تمدد الدروس الخصوصية: لتتحول من دعم استثنائي إلى عبء مالي ينوء به كاهل الأسرة المصرية.
* استمرار الكتب الخارجية: كشاهد ناطق على أزمة الثقة في المحتوى المدرسي الرسمي.
* الابن (بحرقة): والأمر الأسوأ يا أبي.. ما يحدث أحياناً من بعضهم بخصوص درجات أعمال السنة والتهديد بخصمها لمن لا يأخذ دروساً!
* الأب (بغضب نبيل): نعم يا بني، هذا هو الوجه الأقسى لانهيار القيم؛ الانحراف المهني والأخلاقي حين تحول البعض من رسل للعلم إلى تجار مساومين.
لقد بلغ التردي مبلغاً لا يمكن السكوت عنه حين تجرأ بعض المعلمين داخل الفصول على استغلال ما في أيديهم من درجات أعمال السنة للضغط عليكم ومساومتكم مادياً، تحت تهديد مباشر بخصم الدرجات، وكأن تقييم الطالب أصبح رهناً بالدفع خارج أسوار المدرسة. أضف إلى ذلك القنبلة الموقوتة المتمثلة في مأزق “معلم الحصة”؛
فبين القرارات التي تحاول سد العجز، يبرز هذا الحل كسلاح ذو حدين، وهو ظلم بيّن يستوجب قراراً حاسماً إما بتقنين وضعه أو بالتعيين الرسمي.
* الابن (متفائلاً): فهل هناك أمل يا أبي في إصلاح هذا كله؟
* الأب: بالتأكيد يا بني؛ ومن هذا المنطلق، وبإيمان راسخ بحكمة القيادة السياسية وحرص فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على بناء الإنسان المصري بصورة متكاملة، فإننا نرفع النداء تلو النداء:
* إعادة تقييم الإيقاع الزمني والتربوي للتطوير بما يراعي نفسية الأبناء.
* دعم البنية التحتية والتأكد من جودة الأدوات والبيئة المدرسية الصحية.
* الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه استغلال درجات الطلاب والابتزاز.
* إنهاء أزمة العجز ومعلم الحصة بقرارات تعيين حقيقية ترفع الظلم عن المخلصين.
إن مصر الجديرة بالعلم والعلماء تستحق تعليماً يحرر العقول لا يقيدها، ويحمي الطفولة لا يئد زهرتها، ويصنع مستقبلاً يليق بتاريخ هذا الوطن وعراقيته.
