مقالات ووجهات نظر

آخر الطريق معها

بقلم: محمود السيد محمد

آخر الطريق معها

آخر الطريق معها منذ فترة أفكر في كتابة مقال.. كانت أمامي عشرات القضايا والمشكلات التي تستحق الحديث، لكنني كنت عاجزًا عن اختيار موضوع واحد..

لم يكن السبب قلة الأفكار، بل كثرتها وتشابكها، حتى أدركت أن هناك موضوعًا واحدًا يفرض نفسه على كل ما سواه، موضوعًا لم أختره بإرادتي

 بل اختارني هو بعد أن قلب حياتي رأسًا على عقب منذ شهرين: وفاة والدتي رحمها الله.

الموت… ذلك الزائر الذي نفر منه طوال حياتنا، ونحاول أن نتجاهل ذكره، مع أنه الحقيقة الوحيدة المطلقة التي لا خلاف عليها. كل شيء في هذه الدنيا قابل للتغيير،

قابل للزوال، قابل للشك، إلا الموت. فهو اليقين الذي ينتظر الجميع دون استثناء.

يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾.

طالما قرأت هذه الآية، لكنني لم أفهم معناها كما فهمته يوم وفاة أمي.

فعلى مدار أكثر من عشرين عامًا كانت أمي تصارع المرض، وكنا نصارع معها. ننتقل بها من طبيب إلى طبيب، ومن علاج إلى علاج، ومن أمل إلى أمل. وفي يومها الأخير أخذتها إلى المستشفى هربًا من الموت لكن الموت كان ينتظرنا هناك.

عندما وصلنا إلى المستشفى كانت أمي لا تزال في قسم الاستقبال، وقد عُلقت لها المحاليل بينما كنت أتنقل بين الأقسام لإنهاء الإجراءات المطلوبة وإحضار التحاليل والفحوصات التي طلبها الأطباء.

في ذلك الوقت كنت أعاني من جرح في قدمي يجعل الحركة مؤلمة، لكنني لم أكن أشعر به تقريبًا. كنت أتحرك بين الممرات والمكاتب، والدم ينزف من قدمي دون أن أعيره اهتمامًا. كان الجرح في قلبي أكبر من أن يترك مساحة لألم آخر.

وبينما أنا منشغل بالإجراءات جاءتني أختي وقالت: “أمي تنادي عليك، وليس على لسانها سوى: محمود فين؟ محمود فين؟”

أسرعت إليها، واقتربت منها وقلت: “نعم يا أمي.”

رفعت عينيها نحوي ونظرت إليّ طويلًا. لم تطلب شيئًا، ولم تقل شيئًا. كانت تنظر فقط.

لا أعرف لماذا، لكن شيئًا في داخلي أخبرني أن تلك لم تكن نظرة عابرة. شعرت أنها نظرة وداع. في تلك اللحظة أحسست أنني على وشك الانهيار والبكاء أمامها، لكنني تماسكت بكل ما أملك من قوة. لم أرد أن أقلقها، ولم أرد أن ترى الخوف أو الحزن في وجهي.

خرجت من عندها وأنا أحاول إخفاء ما بداخلي، بينما كان اسمي لا يزال على لسانها. وبعد ساعات نُقلت إلى العناية المركزة، ثم فقدت وعيها، ولم تتحدث بعد ذلك مرة أخرى. وفي اليوم التالي رحلت إلى رحمة الله.

يأتي الموت ويذكرنا بمدى هشاشة وجودنا الإنساني في هذه الدنيا. مهما امتلك الإنسان من قوة أو مال أو نفوذ، يبقى عاجزًا أمام لحظة واحدة يكتبها الله تعالى، فيتحول الحاضر إلى ماضٍ، والصوت إلى ذكرى، واللقاء إلى حنين.

كنت بجوار أمي في المستشفى يوم وفاتها. كنت أول من علم بالخبر، وأول من دخل عليها بعد رحيلها. اقتربت من سريرها، ونظرت إليها طويلًا.

لم أرَ وجه الموت الذي كنت أتخيله دائمًا، بل رأيت وجهًا هادئًا مطمئنًا، وكأنها دخلت في نوم عميق بعد سنوات طويلة من التعب.

كانت بشرتها صافية، وملامحها ساكنة، وكأنها أخيرًا وجدت الراحة التي حُرمت منها طويلًا. لقد عانت أمي أكثر من عشرين عامًا من المرض.

عانت جسديًا ونفسيًا، وصبرت صبرًا لا أظن أن كثيرين يستطيعون احتماله. لم تكن تشكو إلا قليلًا، وكانت دائمًا تردد كلمات الرضا والتسليم.

سلامٌ عليكِ يا أمي بما صبرتِ.

في تلك اللحظة امتلأت عيناي بالدموع. كنت دائمًا أظن أنني من الأشخاص الذين لا يبكون بسهولة. لطالما وجدت صعوبة في البكاء مهما بلغ الحزن بي.

لكن بعد وفاة أمي انقلب الأمر تمامًا، وكأنني لم أعرف معنى الدموع إلا في تلك اللحظة. وكأن قلبي كان يحتفظ بكل ما لم يبكه طوال عمره ليفيض دفعة واحدة عند رحيلها.

كانت تلك أول مرة في حياتي أرى فيها ميتًا عن قرب. شعرت أن الأرض تهتز من تحتي، وأن جدران المستشفى أصبحت غريبة، وأن الممرات الطويلة لا تنتهي رغم قصرها.

لم يكن على لساني سوى قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

كنت أدعو لها بالرحمة والمغفرة، ثم أجد نفسي فجأة أدعو لها بالشفاء كما كنت أفعل دائمًا، قبل أن أتذكر الحقيقة فأجهش بالبكاء. ثم أدركت أن هذا هو يوم الشفاء الحقيقي. يوم انتهى فيه المرض، وانتهى الألم، وانتهت المعاناة.

بعد ذلك بدأت إجراءات الخروج من المستشفى. كنت أوقع الأوراق، وأدفع الرسوم، وأتنقل بين المكاتب، بينما أضع يدي فوق قلبي وكأنني أخشى أن ينفجر من شدة ما أشعر به.

أخبرت أبي وإخوتي بالمصيبة، ثم بدأ الأهل والأقارب في التوافد تمهيدًا لنقلها إلى المنزل.

وفي طريق عودتنا إلى القرية انقطعت الكهرباء عن القرية كلها. قد يبدو الأمر مصادفة عادية للكثيرين، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لي. كل ما خطر ببالي وقتها أن هذا هو لون الحياة بعد أمي. شعرت أن الدنيا كلها أصبحت مظلمة، وأن النور الذي اعتدت وجوده قد رحل معها.

وعندما وصلت إلى المنزل دخلت غرفتها وجلست بجوارها. راودتني فكرة بسيطة لكنها كسرت قلبي. كانت أمي لا تحب أن تبقى وحدها، والدنيا كلها كانت غارقة في الظلام. جلست بجوارها وكأنني أطمئنها للمرة الأخيرة.

تأجل الدفن إلى اليوم التالي حتى يتمكن إخوتي القادمون من خارج مصر من رؤيتها وتوديعها. أما تلك الليلة، فلا أظن أن الكلمات قادرة على وصفها. كانت أطول ليلة عرفتها في حياتي. مرت ساعاتها ببطء موجع، حتى جاء الصباح.

لكن الحقيقة أنني منذ رحيل أمي لم أشعر أن الصباح عاد كما كان، ولم أرَ النور كما كنت أراه من قبل. فمنذ رحيلها وأنا أسير في ظلال الفقد.

وفي اليوم التالي، حملناها إلى مثواها الأخير. وبعد الدفن جلست أنا وأخي وبعض الأقارب بجوار قبرها. كانت الأصوات قد خفتت، وانصرف معظم الناس، بينما بقينا نحن ندعو لها ونطمئنها.

ثم بدأ الجميع في المغادرة واحدًا تلو الآخر، أما أنا فبقيت قليلًا. وقفت أمام قبرها أحدثها في صمت، وقلت في نفسي: “متخافيش يا أمي… ربنا رحيم.”

ثم حانت لحظة الرحيل. بدأت أخطو مبتعدًا، لكن قدمي كانت ثقيلة على نحو لم أعرفه من قبل. شعرت وكأن الأرض تشدني إلى الخلف، وكأن قلبي يرفض مغادرة المكان الذي أصبحت أمي فيه.

وفي تلك اللحظة تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعال مشيعيه حين ينصرفون عنه.

توقفت لحظة. وتزاحمت الأفكار في رأسي.

كنت أول من دخل على أمي بعد وفاتها. وها أنا الآن آخر من يغادرها بعد دفنها. منذ ساعات قليلة كنت أنظر إلى وجهها في المستشفى، وها أنا الآن أتركها في قبرها وحدها.

هنا لم أعد قادرًا على المقاومة.

لم أستطع أن أمنع دموعي، ولم أستطع أن أتمالك نفسي كما فعلت طوال اليوم. كنت متماسكًا في أوقات كثيرة، ليس لأن المصيبة كانت هينة، ولكن لأننا نشأنا على أن الرجل يجب أن يخفي انكساره، وألا ينهار أمام الناس.

لكن الحقيقة التي تعلمتها يومها أن بعض الأحزان أكبر من كل ما تعلمناه عن التماسك، وأن بعض الفواجع لا يملك الإنسان أمامها إلا الدموع، وأن بعض الرجال لا يؤجلون البكاء لأنهم أقوياء، بل لأن الانهيار نفسه يصبح أحيانًا رفاهية مؤجلة حتى ينصرف الجميع.

الموت لا يأخذ الأشخاص فقط، بل يأخذ معهم أشياء كثيرة لا ننتبه إليها إلا بعد رحيلهم. يأخذ الطمأنينة، ويأخذ جزءًا من أرواحنا، ويترك فراغًا لا يملؤه أحد.

يسرق الموت ألوان الحياة من عيوننا في لحظة واحدة، ويتركنا في دنيا رمادية لا طعم لها ولا لون بدون من نحب. وغياب الأحبة يكسر القلوب القوية، ويجعلنا ندرك فجأة أن الدنيا بأسرها لا تساوي شيئًا أمام خسارة شخص عزيز..

لكن الموت، رغم قسوته، يحمل رسالة لا ينبغي أن نتجاهلها. إنه يذكرنا بأننا جميعًا على الطريق نفسه. وأن الأيام التي نعيشها اليوم ستصبح يومًا ما ذكرى عند غيرنا. وأن الإنسان مهما طال عمره فلن ينجو من اللحظة التي يقف فيها بين يدي الله تعالى.

لذلك فإن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من الموت هو أن نستعد له قبل أن يفاجئنا. أن نحسن إلى من نحب قبل أن يحول الموت بيننا وبينهم. أن نرجع إلى الله ونعمر قلوبنا بالإيمان قبل أن نغادر هذه الدنيا التي لا تساوي شيئًا.

وفي النهاية، يبقى الموت الحقيقة الوحيدة المطلقة، ويبقى الفراق الأبدي من أشد ما يوجع القلوب. لا توجد كلمات تصف حجم الفقدان، لكنه يظل تذكرة ثمينة لنا لكي نعيش الحياة بصدق، ونحسن لمن نحب، ونغتنم ما بقي لنا من أيام.

إن الموت ليس قصة نقرؤها، ولا جنازة نشيعها ونمضي، بل موعد ينتظرنا جميعًا. فطوبى لمن تذكره قبل أن يلقاه، واستعد له قبل أن يفاجئه.

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾.آخر الطريق معها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى