مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير عندما تتحول المعايير إلى مساحة مفتوحة لاختبار السنيما
كتبت/ريهام رفعت

مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير عندما تتحول المعايير إلى مساحة مفتوحة لاختبار السنيما
مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير عندما تتحول المعايير إلى مساحة مفتوحة لاختبار السنيمافي الوقت الذي تتسارع فيه صناعة السينما عالميًا، وتتداخل فيه التقنيات مع منصات العرض والتلقي،
لم تعد فكرة “المعايير الثابتة” كافية لفهم كيفية اختيار الأفلام داخل المهرجانات. هذا ما يضعه موني محمد، المدير الفني لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير،
في قلب النقاش، مؤكدًا أن عملية الاختيار لم تعد مسألة تقييم تقني بحت، بل أقرب إلى قراءة فنية مركّبة تتعامل مع الفيلم ككائن حيّ له روح وهوية وسياق.
من “الجودة” إلى “التميّز”
يرى محمد أن التطور التقني في صناعة الأفلام القصيرة من جودة الصورة إلى الصوت وصولًا إلى أدوات المونتاج المتقدمة جعل هذه العناصر شبه مسلّم بها، ولم تعد تمثل معيارًا للفصل بين فيلم وآخر. بعبارة أخرى، ما كان يُعتبر سابقًا “إنجازًا” أصبح اليوم حدًا أدنى للدخول.
لكن الإشكالية الحقيقية، كما يراها، أن هذا التطور خلق نوعًا من التضليل البصري: أفلام كثيرة تبدو متقنة تقنيًا، لكنها تفتقد ما يسميه “الصوت الخاص”، أي القدرة على تقديم رؤية مختلفة أو أثر لا يُشبه غيره.
آلاف الأفلام… ونافذة ضيقة جدًا
يتلقى المهرجان آلاف الأفلام سنويًا، يتم فرزها عبر مراحل متعددة قبل الوصول إلى القائمة النهائية التي تضم عددًا محدودًا من الأعمال.
لكن خلف هذا الرقم يكمن سؤال أعمق: كيف يمكن لمعايير الاختيار أن تستوعب هذا الكم الهائل من الإنتاج المتزايد عالميًا؟
الإجابة هنا لا تكون حسابية، بل تعتمد على خبرة لجان المشاهدة وقدرتها على التقاط ما يتجاوز الشكل إلى الجوهر، في عملية أقرب إلى “اختيار حدسي منضبط” منها إلى تقييم تقني صرف.
الجمهور ليس متفرجًا فقط
لا يتعامل المهرجان مع الجمهور باعتباره عنصرًا ثانويًا، بل شريكًا أساسيًا في التجربة. فالفيلم لا يكتمل داخل غرفة الاختيار، بل داخل قاعة العرض، حيث يتحول التفاعل اللحظي إلى جزء من دلالته.
وهكذا تصبح العلاقة بين الفيلم والجمهور علاقة تبادلية، لا مجرد عرض واستقبال.
الهوية لم تعد جواز سفر
في المسابقات الدولية، لم تعد الجنسية معيارًا للتقييم. الفيلم لا يُنظر إليه بوصفه “مصريًا” أو “أجنبيًا”، بل كعمل مستقل داخل منظومة عالمية.
هذا التحول يعكس واقعًا جديدًا: المنافسة لم تعد بين دول، بل بين رؤى فنية قادرة على تقديم اختلاف حقيقي وسط تشابه تقني متزايد.
الفيلم القصير ليس مرحلة انتقالية
الرؤية التقليدية التي تعتبر الفيلم القصير خطوة نحو الفيلم الطويل لم تعد صالحة بشكل مطلق.
فالفيلم القصير اليوم يمتلك لغته الخاصة، وكثافته السردية، وقدرته على التعبير عن أفكار لا تحتمل الامتداد الزمني الطويل، بل تحتاج إلى تكثيف شديد يمنحها قوتها.
السوشيال ميديا… قوة مزدوجة
السوشيال ميديا لم تعد مجرد منصة للترويج، بل أصبحت جزءًا من دورة الحياة السينمائية نفسها. فهي تتيح وصولًا سريعًا للأفلام والمهرجانات، وتخلق مساحة تفاعل فورية بين الجمهور وصناع السينما.
لكن في المقابل، هذا الإيقاع السريع قد ينتج أحكامًا متسرعة، ويحوّل النقاش حول الأفلام إلى ردود فعل لحظية أكثر من كونه قراءة نقدية متأنية. وهنا تكمن الخطورة: أن تتحول “الضجة” إلى بديل عن المشاهدة
لجان التحكيم: لا معيار واحد للحقيقة
اختلاف نتائج الجوائز بين لجنة وأخرى ليس خللًا، بل انعكاس طبيعي لتعدد زوايا النظر داخل الفن نفسه.
فالفيلم قد يُكافأ بسبب جرأته، أو لغته البصرية، أو طرحه الإنساني، أو حتى بسبب تجربة شعورية يخلقها. لذلك فإن الجدل حول النتائج ليس دليل أزمة، بل دليل حيوية.
السينما كمساحة مفتوحةفي النهاية، لم تعد السينما نظامًا مغلقًا تحكمه قواعد ثابتة، بل مساحة تتغير باستمرار مع تغير أدوات الإنتاج والتلقي.
لكن هذا التحول يفتح سؤالًا أكثر عمقًا: إذا كانت المعايير لم تعد ثابتة، فكيف نميّز بين ما هو عابر وما هو مؤثر فعلًا داخل هذا الكم الهائل من الإنتاج؟
سؤال يظل مفتوحًا، بقدر ما تظل السينما نفسها مساحة مفتوحة لا تتوقف عن إعادة تعريف نفسها

