سيادة القانون بين الحق والباطل.. عندما يُجبر صاحب الحق على التوقيع ويُترك المعتدي طليقًا
كتبت/ هناء علام رئيس مجلس إدارة منتدى قناه بداية لتنمية الإنسان والمجتمع
سيادة القانون بين الحق والباطل.. عندما يُجبر صاحب الحق على التوقيع ويُترك المعتدي طليقًا

في دولة المؤسسات والقانون، التي يقود مسيرتها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، والذي أكد مرارًا أن “لا أحد فوق القانون”، يبقى احترام الحقوق وحماية الملكية الخاصة أحد أهم ركائز العدالة وسيادة الدولة. إلا أن بعض الممارسات الفردية الخاطئة، إن صحت، قد تشكل خروجًا على تلك المبادئ التي تسعى الدولة المصرية إلى ترسيخها.
ومن أخطر ما يمكن أن يواجهه المواطن أن يجد نفسه أمام معادلة مقلوبة؛ فبدلاً من مساءلة المعتدي ومحاسبته، يتم الضغط على صاحب الحق أو إجباره على التوقيع على مستندات قد تُستخدم ضده أو تُفسر على غير حقيقتها، بينما يظل الطرف المتعدي مستفيدًا من غياب الإجراءات القانونية الرادعة.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق النزاع بأرض زراعية يتم التعدي عليها بالبناء المخالف، في مخالفة صريحة للقوانين المنظمة لحماية الرقعة الزراعية التي تعد ثروة قومية للأجيال الحالية والقادمة. فالقانون المصري شدد العقوبات على التعدي بالبناء على الأراضي الزراعية لما يمثله ذلك من تهديد للأمن الغذائي وإهدار لموارد الدولة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن أن تستمر أعمال بناء تشمل إنشاء محلات تجارية وتركيب أبواب صاج وتجهيز واجهات كاملة ثم يقال بعد ذلك إنها أُقيمت “بين يوم وليلة”؟ إن مثل هذه التبريرات تثير العديد من علامات الاستفهام حول مدى فعالية الرقابة والمتابعة الميدانية، وتدفع إلى المطالبة بالتحقيق الجاد والشفاف في أي تقصير أو إهمال قد يكون قد وقع.
كما أن التعدي على ملكية الغير لا يقتصر على البناء فقط، بل يمتد إلى قطع الأشجار والأشجار المثمرة المملوكة للغير والتصرف فيها بالبيع أو الإزالة دون سند قانوني، وهو أمر يمثل اعتداءً على الحقوق المالية والعينية المكفولة بالقانون والدستور.
صحة التوقيع ليست سند ملكية
ومن المبادئ القانونية المستقرة أن دعوى “صحة التوقيع” لا تثبت الملكية ولا تنقلها، وإنما يقتصر أثرها على إثبات أن التوقيع المنسوب إلى أحد أطراف العقد هو توقيع صحيح صادر منه. وقد استقرت أحكام محكمة النقض المصرية على أن الحكم الصادر بصحة التوقيع لا يتناول موضوع الحق أو الملكية ولا يفصل في صحة التصرف من الناحية الموضوعية.
وبالتالي فإن الحصول على حكم بصحة توقيع على عقد عرفي لا يعد بذاته دليلاً نهائيًا على الملكية، ولا يغني عن تقديم أصل سند الملكية الصحيح وسلسلة انتقال الملكية المستندة إلى أسباب قانونية معتبرة.
ولإثبات الملكية أمام القضاءتستند دعاوى تثبيت الملكية عادة إلى مجموعة من الأدلة والمستندات القانونية، ومنها:
العقود المسجلة بالشهر العقاري.
الأحكام القضائية النهائية المثبتة للملكية.
عقود القسمة الموثقة أو الأحكام الصادرة بشأنها.
كشوف الحصر والسجلات الرسمية والخرائط المساحية.
وضع اليد المستوفي للشروط القانونية المقررة قانونًا متى توافرت شروطه.
تسلسل الملكية القانوني الثابت بالمستندات الرسمية.
أما العقود العرفية المجردة من السند الأصلي أو غير المدعومة بأدلة ملكية صحيحة فإنها تظل محل فحص وتقدير من المحكمة ولا تكفي وحدها لحسم نزاع الملكية إذا قام الدليل على خلافها.
وهناك يظهر الفرق بين المسؤول الفاسد والمسؤول الشريف إن أخطر ما يهدد أي مؤسسة ليس نقص القوانين، وإنما سوء تطبيقها. فالموظف أو المسؤول الذي يسيء استخدام السلطة الممنوحة له، أو يتغاضى عن المخالفات، أو يتعامل بازدواجية بين المواطنين، يسيء إلى هيبة الدولة قبل أن يسيء إلى الأفراد.وأما المسؤول الشريف فهو الذي يطبق القانون على الجميع دون تمييز.
يحافظ على المال العام والرقعة الزراعية.
يتعامل بحياد كامل مع الخصوم.
يمنع التعديات فور وقوعها.
يحترم حقوق المواطنين وكرامتهم.
يدرك أن وظيفته تكليف لخدمة الوطن وليست وسيلة لتحقيق مصالح خاصة.
إن الدولة المصرية تخوض معركة كبيرة ضد الفساد والتعديات على أملاك الدولة والأراضي الزراعية، وهو ما يتطلب من جميع الجهات المعنية مواصلة الرقابة والمحاسبة وعدم السماح لأي شخص باستغلال النفوذ أو التحايل على القانون أو الالتفاف على الحقوق الثابتة.
ويبقى الأمل معقودًا على القضاء المصري الشامخ، باعتباره الحصن الأخير للحقوق والحريات، وعلى أجهزة الدولة الرقابية والتنفيذية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية لكشف الحقيقة وإنصاف أصحاب الحقوق، تأكيدًا للمبدأ الذي تؤمن به الدولة المصرية: أن الحق لا يسقط، وأن القانون فوق الجميع.
سيادة القانون بين الحق والباطل.. عندما يُجبر صاحب الحق على التوقيع ويُترك المعتدي طليقًا
