قُبسة من نور في زمن العتمة: حين يعلّم التلاميذ أساتذة القسوة معنى الإنسانية
بقلم. أحمد المطعني
قُبسة من نور في زمن العتمة: حين يعلّم التلاميذ أساتذة القسوة معنى الإنسانية ،،،،،
حين يضجّ فضاء “السوشيال ميديا” بمقطع فيديو، يمرّ عليه الكثيرون مرور الكرام بين ومضات الشاشات، لكن بعض المشاهد تأبى إلا أن تقتحم القلب وتأخذك رغماً عنك إلى عوالم أخرى من الشجن والتأمل.
لقد أوقفني هذا الموقف المثير للضجة طويلاً، وأخذني بعيداً في رحلة أفكار لا تنتهي، حتى استقر بي الحال أمام لوحة حية تعرّت فيها قسوة الروتين وتجلّى فيها نقاء الطفولة.
لم تكن بوابة مدرسة السعيدية العريقة مجرد مدخل لتلقي العلم، بل تحولت في تلك اللحظة الفاصلة إلى مسرح لأعظم دروس الإنسانية التي لا تُدرس في الفصول ولا تُختبر على أوراق الإجابة.
فبينما كانت قواعد النظام الجامدة تقف حائلاً بلا رحمة أمام طالب ضعيف الحيلة منعه حذاؤه البسيط (“الشبشب”) من عبور العتبة،
كان الصديق الحقيقي يُصنع هناك، في شوارع الموقف الضيق وميادين الشهامة العفوية ، هل الأستاذ الذي منعه من الدخول لم يستوعب أن هذا هو “اليوم الدراسي الأول”؟
ألم يكن بمقدوره تفهم ظروف الولد وأهله، أو السماح له بالدخول على أن يلتزم في بقية الأيام؟ ألم تشفع له ملامحه وبساطته ليشعر به، أو يدرك أنه ربما لا يملك ثمن حذاء يستر به ضيق حاله؟ هل كان هذا الولد البسيط يحب بطبعه أو مزاجه أن يذهب إلى مدرسته هكذا لولا قلة الحيلة وضيق ذات اليد؟!
هنا يتسلل التساؤل الموجع ويهز ضمائر المتابعين: أين الأخصائي الاجتماعي؟ أين المعلم الأب؟ كيف لمن أُؤتمنوا على تربية الأرواح ورعاية القلوب أن يقفوا متفرجين أو مساهمين بقرارات جافة تنزع الإنسانية لصالح لوائح صماء؟ ألم يكن الأولى بمن يعلمون أبناءنا الرحمة أن يكونوا هم أول الجابرين للخواطر لا الكاسرين لها؟
وفي مقابل هذا الجفاف الروتينى، تقفز إلى الذاكرة صورة مضيئة لمسؤول أدرك أن الإدارة قبل أن تكون لوائح، هي قلب ينبض بالإنسانية.
أذكر مدير إحدى المديريات التعليمية الذي عاد إلى مكتبه منهكاً لم يتذوق طعام الإفطار بعد جولة تفقدية صباحية شاقة على المدارس ، طلب طعاماً ليسد جوعه، وفي تلك الأثناء، طلبت أم يرافقها طفلها الصغير مقابلته لعرض شكواها.
لم يتذرع بانشغاله أو وقت راحته، بل أمر بإدخالهما على الفور. وبينما كان يستمع بإنصات واهتمام لشكوى الأم، التقطت عيناه نظرات الطفل البريئة التي تعلقت بطبق الطعام بشغف.
لم يفكر المسؤول مرتين، وفي لفتة أبوية بارعة تخطف القلوب، التفت إلى الصغير بابتسامة حانية مبادرةً إياه: “هل تعلم؟ أنا كنت أعرف أنك قادم لزيارتي اليوم، لذلك طلبت هذا الطعام خصيصاً من أجلك!”.
بكلمات بسيطة وعفوية، أطعم جوع الطفل، وحفظ كرامة الأم، وجبر خاطراً بأسلوب عظيم يُدرّس في أرقى مناهج التربية.
وكما كان هذا المسؤول أباً حانياً، أبى زملاء الطالب المنكسر أمام بوابة مدرسته إلا أن يكملوا لوحة النور ويصنعوا درساً مماثلاً ، لم تمر دموع الحزن في عينَي ذلك الطالب مرور الكرام؛ فالعيون التي تُبصر بالقلب أدركت سريعاً أن انكسار الرفيق هو انكسار للجميع .
في مشهد يقطر شهامة ونقاءً، تحرك الزملاء بلا تردد، ليقدموا درساً عملياً بليغاً يعوضون به غياب الكبار ، جمعوا أمرهم، وهرعوا لتدبير حذاء رياضي يستر حيلته، ويزيل غصة قهره، ليقفوا جنباً إلى جنب قائلين للعالم: “لا سِور لمدرسة تمنع إنسانيتنا المشتركة”.
حين عاد ذلك الطالب ليعبر البوابة مرفوع الهامة، لم يكن يرتدي مجرد حذاء جديد، بل كان يرتدي حب رفاقه وتضامنهم الذي أعاد هندسة المعنى الحقيقي للتعلم ، إنها الإنسانية حين تتجلى في أبسط صورها العفوية، لتؤكد أن المدارس الحقيقية تبني الأرواح أولاً، وأن مقاعد الدراسة لا تكتمل قيمتها إلا إذا جلس عليها بشر يحملون قلوباً تنبض بالرحمة، بينما يبقى الكبار مطالبين بمراجعة ضمائرهم قبل قواعدهم.
ملحوظة تثير الحيرة:
وسط هذا المشهد المؤثر، يبقى هناك تفصيل غريب وملفت للنظر بشدة؛ ذاك الشخص الذي كان يقف ويصور الواقعة منذ بدايتها، وكأنه كان على موعد مسبق مع الحدث! فهو لم يكن يعلم مآلات الأمور ولا إلى أين ستنتهي القصة، فلماذا اختار توثيق اللحظة تحديداً؟ هل هي صدفة بحتة أم أن عدسة الكاميرا أصبحت تبحث بفطرتِها عن النور وسط عتمة القسوة؟ للأسف ليس لدي إجابة.. فهل لدى أحدكم إجابة؟
خلاصة الموقف:
* عدوى السوشيال ميديا: مقطع فيديو عابر يحول قضية فردية إلى مرآة فاضحة لواقعنا التربوي.
* سقوط القشور: انهيار القواعد الروتينية أمام إنسانية اللحظة وشهامة الرفاق.
* قسوة البدايات: غياب التقدير لظروف اليوم الدراسي الأول وعدم استيعاب ضيق ذات اليد.
* صناعة الفارق: مسؤول يطعم جوع طفل بذكاء عاطفي ليثبت أن المناصب لا تلغي الأبوّة.
* غياب الدور التربوي: صرخة تساؤل عن دور الأخصائيين والمعلمين الغائبين عن المشهد الإنساني.
* قيمة جبر الخواطر: استعادة الطالب لكرامته وفرحته بفضل تضامن زملاء تلامس قلوبهم حدود النقاء.
المطعني يكتب. قُبسة من نور في زمن العتمة: حين يعلّم التلاميذ أساتذة القسوة معنى الإنسانية




