الزلزال الأيمن في أوروبا هل تتحول القارة العجوز إلى حصن مغلق في وجه الجاليات العربية
بقلم م.. إيهاب محمود الخبير السياسي والاقتصادي
الزلزال الأيمن في أوروبا هل تتحول القارة العجوز إلى حصن مغلق في وجه الجاليات العربية
لا شيء يبدو على حاله تحت سماء القارة العجوز فمن شوارع باريس وبرلين إلى أروقة البرلمان الأوروبي في بروكسل تهب رياح سياسية عاصفة تنذر بزلزال يوشك أن يغير خريطة أوروبا السياسية برمتها صعود تيار أقصى اليمين لم يعد مجرد زوبعة في فنجان انتخابي بل تحول إلى تسونامي شعبي يهدد باكتساح الصناديق في الاستحقاقات القادمة وأمام هذا المشهد المتغير تقف الجاليات العربية والإسلامية في قلب العاصفة لتواجه مستقبلا يبدو يوما بعد يوم أكثر تعقيدا وقسوة
من الهامش إلى صدارة المشهد
لعقود طويلة اعتبرت الأحزاب الشعبوية وأقصى اليمين في أوروبا بمثابة أصوات هامشية تسمع ولا تطاع أما اليوم فقد نجحت هذه القوى في إعادة صياغة النقاش العام جاعلة من ملف الهجرة واللجوء الشماعة التي تعلق عليها كل أزمات أوروبا الاقتصادية والاجتماعية
الخطاب لم يعد سريا بل أصبح برنامجا سياسيا معلنا يطرح علانية في المناظرات الانتخابية التلويح بإغلاق الحدود وتقييد اللجوء ومراجعة قوانين الجنسية ولم الشمل لم تعد مجرد شعارات رنانة لكسب أصوات الناخبين بل تحولت إلى سياسات عملية تتبناها حتى الأحزاب التقليدية سعيا لاستعادة شعبيتها المتآكلة
الجاليات العربية في خط النار الأول
إذا كان هذا الصعود يمثل زلزال سياسيا للأوروبيين أنفسهم فهو بالنسبة لملايين العرب المقيمين هناك بمثابة ناقوس خطر يدق بعنف حول مستقبل الوجود والاستقرار التداعيات لا تقتصر على السياسة فحسب بل تمس تفاصيل الحياة اليومية
أولا جدران الإدارة البيروقراطية العالية حيث تشديد القوانين المتعلقة بالإقامات الدائمة وشروط لم الشمل يعني تمزيقا محتملا لأوصال الأسر العربية وجعل الاستقرار النفسي حلما بعيد المنال
ثانيا معركة الهوية والمظاهر إذ تتصاعد سرديات الذوبان الثقافي مما يضع الهوية الدينية والثقافية للجاليات تحت مجهر القوانين المقيدة وتنامي الخطاب الإعلامي الذي يربط بين المهاجرين والجريمة والإرهاب بشكل متعمد
ثالثا تآكل شبكات الأمان المجتمعي فمع شرعنة الخطاب المناهض للأجانب ترتفع وتيرة حوادث الكسينوفوبيا والإسلاموفوبيا لتجد العائلات العربية نفسها عرضة لتمييز ممنهج في أسواق العمل والتعليم والسكن
فخ رد الفعل أم استراتيجية الفعل المنظم
أمام هذا التمدد اليميني يقف أبناء الجاليات العربية أمام مفترق طرق حاسم الاستسلام لمشاعر الإحباط والخوف أو الاكتفاء بلعب دور الضحية لن يزيد الطين إلا بلة بل إن المرحلة تفرض استنهاضاً شاملا للوعي والعمل المؤسسي
الاندماج الذكي والمشاركة الفاعلة إن أصوات الناخبين العرب في البلديات والانتخابات التشريعية الأوروبية يجب أن تتحول إلى كتلة حرجة تحسب لها ألف حساب
التحالفات الحقوقية فلا توجد جالية تعزل نفسها وتحقق النصر فبناء الجسور مع قوى اليسار والوسط ومنظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الإنسان هو السلاح القانوني الأبرز لمواجهة أي قوانين عنصرية
التميز والإنتاج من خلال إثبات أن العرب ليسوا عبئا بل هم ركيزة أساسية في قطاعات الصحة والاقتصاد والتعليم والثقافة في أوروبا وهو ما يسقط الأقنعة عن الصورة النمطية التي يحاول اليمين المتطرف ترويجها
خاتمة
أوروبا تتغير بسرعة مذهلة والانتخابات القادمة قد تكون هي المحطة الفارقة التي تعيد رسم وجه القارة لعقود قادمة بالنسبة للجاليات العربية لم تعد المعركة معركة اندماج تقليدي بل أصبحت معركة وجود وبقاء بكرامة وحقوق كاملة وإذا كانت رياح اليمين عاتية وشرسة فإن وعي الجاليات وتلاحمها هو السد المنيع الذي يمكن أن يحول دون جرف كل مكاسب العقود الماضية
الزلزال الأيمن في أوروبا هل تتحول القارة العجوز إلى حصن مغلق في وجه الجاليات العربية


