
أموات الضمائر لا تغيرهم الرسائل الربانية
أموات الضمائر لا تغيرهم الرسائل الربانية في مسيرة الحياة الممتدة يمر الإنسان بمحطات تملؤها التنبيهات والرسائل الإلهية التي تحملها الأيام في صور متعددة
تتنوع بين إبتلاءات و عثرات و خسارات مؤلمة وفقدٍ لأحبة وأعزاء رحلوا عن دنيانا ومع كل هذه الهزات القاسية يظل هناك سؤال جوهري يفرض نفسه بوجوم
كيف لا يتغير هؤلاء رغم كل ما يمرون به من تجارب مريرة ودروس متكررة؟ فكثيراً ما نرى أشخاصاً يشاهدون الإشارات الواضحة تتجلى أمام أعينهم ويسمعون النصح الصادق يتردد من حولهم لكنهم يعيشون في حالة من الصمم الاختياري
فلا يعتبرون ولا يستجيبون وكأن ما يمر بهم لا يترك في نفوسهم أثراً ولا يوقظ في ضمائرهم مراجعة أو محاسبة لقد جعل الله في حياة عباده رسائل ودروساً تتجدد بوسائل شتى
فقد تأتي الرسالة في صورة ابتلاء أو تعثر في عمل أو خسارة مادية متبوعة بكسر الكبرياء أو فقد عزيز يذكر بالرحيل أو انكشاف حقيقة غائبة تظهر زيف الواقع
وتحمل هذه المواقف جميعها دعوة صريحة للتفكر ومراجعة الذات وتصحيح المسار غير أن بعض الناس تمر عليهم هذه الرسائل الربانية الواحدة تلو الأخرى دون أن يتوقفوا لحظة صدق واحدة لمساءلة أنفسهم أو مراجعة أفعالهم وسلوكهم
ومن هنا يصبح من الصعب التوقع بحدوث تغيير حقيقي لديهم لأن من لم توقظه دروس الحياة القاسية ولم تهزه الرسائل الربانيه المتكررة التي يرسلها الله لعباده فما الذي يمكن أن يوقظه بعد ذلك؟
حين يصر الإنسان على تكرار الأخطاء وتدمير علاقاته رغم وضوح العِبر هذا غباء غير أن المقصود بالغباء هنا
فهو غباء الطبع والنفس حين يستسلم الإنسان للكبر والعناد والخبث والكذب فيفقد القدرة تماماً على الاعتراف بخطئه أو مراجعة نفسه مهما تكاثرت حوله النذر
هذا النوع من غباء النفس يجعل صاحبه يرى أخطاء الجميع ولا يرى خطأه ويطالب الآخرين بما لا يطالب به نفسه ويهرب من مواجهة الحقيقة كلما اقتربت منه وفي دوائر العلاقات المختلفة المحيطة بنا نصادف أحياناً أشخاصاً يعيشون حياتهم كلها في دور الضحية
فلا يعترفون بتقصير ولا يرون لأنفسهم خطأ ويعتقدون واهمين أنهم وحدهم على صواب بينما الجميع من حولهم مخطئون أو متآمرون عليهم وتزداد المشكلة عمقاً حين يصبح حديثهم شيئاً وأفعالهم شيئاً آخر
فيتستر بعضهم خلف الشعارات والمواعظ والمظاهر الدينية بينما تكشف المواقف والشدائد حقائق النفوس مهما طال زمن التخفي وحتى عندما تنكشف الحقائق أمامهم أو تهزهم صدمة من صدمات الحياة
سرعان ما يعودون إلى السلوك ذاته وكأن شيئاً لم يكن فهم يواصلون اتهام الآخرين وتلفيق الأكاذيب وتشويه الحقائق وتبرير الأخطاء غير قادرين على رؤية عيوبهم أو محاسبة أنفسهم
تمر عليهم الرسائل الربانية تباعاً لكنهم يصرون على الهروب من معناها ويبحثون دائماً عن متهم جديد يعلقون عليه خطاياهم بدلاً من مواجهة ذواتهم
ولعل أقرب صورة تصف هذه الحالة هي ما نراه في أفلام الخيال من شخصيات “الزومبي” التي تتحرك في كل اتجاه دون وعي حقيقي بما حولها فتخلف وراءها الأذى والاضطراب والخراب في كل علاقة تمر بها
وليس السبب هنا افتقاد الذكاء الذهني فقط بل إن قلوبهم أُغلقت أبواب المراجعة والتوبة والاعتراف بالحقيقة فيها فأصبحوا أسرى لأمراض النفس من كبر وخداع وكذب وإنكار ومع مرور الوقت يدرك الإنسان العاقل حقيقة مهمة
وهي أن عدم عتاب هذه الشخصيات قد يكون عين الحكمة فالعتاب لا يجدي مع من لا يرى خطأه ولا يسمع إلا صدى صوته ولا يعترف إلا بما يخدم صورته المتخيلة عن نفسه
كما أن انتظارهم للقيام بالواجب الأخلاقي أو الالتزام بما يمليه الضمير هو انتظار لا يثمر وأمل معلق على ما لا يريدونه هم ولا يسعون إليه
لذلك فإن الحكمة الحقيقية لا تكمن في استنزاف العمر بمحاولة إصلاح من يرفض الإصلاح ولا في انتظار الخير ممن اعتاد الأذى بل في معرفة الحدود
وحماية النفس والابتعاد عمن أثبتت الأيام أنهم عمي بصيرة وأموات ضمائر فبعض الناس لا تنقصهم الرسائل ولا النصائح
وإنما تنقصهم الإرادة الصادقة للتغيير ومن لم يعتبر بالابتلاءات والتعثرات والخسارات وفقد الأعزاء ومن لم يتعلم من الرسائل الربانية المتكررة في حياته فلا رجاءاً من صحوة قريبة
ولا تغيراً حقيقياً فإذا غابت الإرادة وضاعت العبرة وماتت البصيرة مرت الرسائل كلها بلا أثر مهما كانت واضحة وقوية
وكان هذا هو العقاب الرباني الأقسى لهم حين قال سبحانه “ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم”
