
ملتقيات التوظيف.. عندما يتحول حلم الشباب إلى جلسة تصوير وأزمة ثقة
بين لافتات “جميع التخصصات” وواقع مختلف يقف الشباب أمام سؤال أكبر من البطالة: هل ما زال التعليم يصنع الفارق؟
يحمل آلاف الشباب ملفاتهم كلما أُعلن عن ملتقى توظيف مدفوعين بالأمل في فرصة تليق بسنوات الدراسة والاجتهاد.
لكن كثيرين يعودون بالملفات نفسها بعدما يكتشفون أن معظم الوظائف المطروحة لا تتناسب مع المؤهلات التي دُعوا بها إلى الملتقى.
المشكلة ليست في طبيعة الوظائف فكل عمل شريف وكل من يكسب رزقه بعرق جبينه يستحق التقدير.
لكن المشكلة تبدأ عندما يُعلن عن وظائف “لجميع التخصصات”، بينما الواقع يقول شيئًا مختلفًا.
ثم نسمع العبارات المعتادة: “الشغل مش عيب” و”حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب”. نعم، الشغل ليس عيبًا.
لكن هل أصبح هذا الشعار مبررًا لهذه التصرفات؟
أعلم جيدًا أن لكل مؤهل قيمته سواء كان تعليمًا فنيًا أو متوسطًا أو جامعيًا، وكلهم يستحقون فرص عمل تناسب مؤهلاتهم وتليق بما يمتلكونه من مهارات وخبرات.
فهم جزء أصيل من قوة العمل والإنتاج ولا يمكن التقليل من قيمة أي مهنة أو من قيمة من يعمل بها.
لكن في المقابل.. هناك من سهر الليالي وأنفق هو وأسرته سنوات من الجهد والمال، إيمانًا بأن التعليم سيمنحه فرصة أفضل وحياة أكثر استقرارًا.
فإذا كانت الوظائف المتاحة تقتصر على أفراد الأمن، وعمال الإنتاج، وسائقي الكلارك، وغيرها من الوظائف الفنية، فليكن ذلك واضحًا في الإعلان منذ البداية، ولن يتقدم إليها إلا من تناسبه تلك الوظائف.
أما الإعلان عن “جميع التخصصات”ثم مفاجأة الشباب بواقع مختلف فهو ليس مجرد إهدار للوقت، بل إهدار للثقة، واستغلال لأحلام الباحثين عن فرصة حقيقية.
لن أنسى ذلك المشهد… ساعات من الانتظار ثم يدخل أحد حاملي المؤهل الجامعي إلى مسؤول التوظيف، فلا تمضي سوى ثواني معدودة حتى يخرج بعدما عُرضت عليه وظيفة عامل إنتاج.
لم يكن الحزن لأن العمل غير محترم على العكس تمامًا وإنما لأن الإعلان الذي جاء بسببه أوحى بوجود فرص تناسب مؤهله، بينما لم يجد ما يتوافق مع سنوات دراسته. عندها أدركت أن الأزمة ليست في الوظيفة نفسها، بل في الفجوة بين ما يُعلن عنه وما يجده الشباب على أرض الواقع.
لسنا ضد العمل الشريف بل ندافع عنه، ولسنا مع أن يبقى الشباب عاطلين انتظارًا لوظيفة الأحلام. لكننا أيضًا لا نقبل أن يصبح التعليم مجرد شهادة تُعلق على الحائط بينما يُقال لصاحبها في النهاية: اقبل أي شيء.
وأجد نفسي أحيانًا أمام مشهد يحمل من الألم أكثر مما يحمله من الكلمات. شاب تخرج منذ سنوات وما زال يبحث عن وظيفة تناسب مؤهله، وبجواره طالب في الثانوية العامة أضغط عليه كل يوم ليذاكر ويجتهد ويتفوق ويدخل الجامعة.
ينظر إليّ ذلك الطالب بنظرة حائرة، وكأنه يسأل: إذا كان هذا هو مصير من سبقني، فلماذا أذاكر؟ ولماذا أتعب نفسي؟ إذا كانت النهاية واحدة…
هذا السؤال وحده يجب أن يقلقنا جميعًا.. لأنه لا يتعلق بوظيفة ضائعة بل بإيمان جيل كامل بقيمة التعليم.
ربما لا ينتظر الشباب وعودًا جديدة بقدر ما ينتظرون وضوحًا واحترامًا لعقولهم.
فالإعلان الصادق قد لا يوفر وظيفة لكنه يمنح كل باحث عن عمل فرصة ليعرف إلى أين يتجه، ويحافظ على ثقته فيما يُعلن له. أما عندما يكتشف أن الواقع يختلف عما قيل فلا تكون الخسارة مجرد فرصة عمل ضاعت، بل يبدأ السؤال عن جدوى سنوات الدراسة نفسها.
وحين يصل الشباب إلى هذه المرحلة لا تصبح القضية مجرد أزمة توظيف، بل فجوة تتسع بين التعليم وسوق العمل، وثقة تتراجع يومًا بعد يوم في أن الاجتهاد وحده يكفي لبناء مستقبل أفضل.



