مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة نجاح ورشة البيانو المتقدمة وتكريم الدكتورة مارسيل متى والمواهب الشابة
ليلى خليل

مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة نجاح ورشة البيانو المتقدمة وتكريم الدكتورة مارسيل متى والمواهب الشابة
ليلى خليل
تزامنًا مع اليوم العالمي للموسيقى الذي يوافق الأول من أكتوبر، وتسليطًا الضوء على أبرز الحراك الفني والأكاديمي الذي تشهده مصر، نبرز ختام فعاليات ورشة العمل المتقدمة لعزف البيانو التي استضافتها القاعة الموسيقية بمدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة خلال الفترة من 15 إلى 25 سبتمبر 2026.
وقد جاءت هذه الفعالية الفنية الاستثنائية بناءً على رؤية وفكرة وتخطيط الموسيقار أحمد عبد الرحمن أبو زهرة، المستشار الفني لمدينة الفنون والثقافة، وبدعم ورعاية كاملين من شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية ,
التي أتاحت الفرصة الكاملة لإقامة حدث بمستوى عالمي على أرض مصرية وبالمجان تماماً لجميع المشاركين فيه؛ حيث سخرت الشركة كافة الإمكانيات والمساندة اللوجستية والفنية بالتعاون مع إدارة مدينة الفنون والثقافة لضمان إنجاح هذه التجربة.
وشهد ختام الفعالية احتفالية موسيقية رفيعة المستوى تم خلالها تكريم قامات فنية وأكاديمية رائدة في مجال عزف البيانو، وعلى رأسهم الأستاذة الدكتورة مارسيل متى،
إلى جانب توزيع شهادات التقدير واجتياز الورشة على الطلاب الموهوبين المشاركين، وسط إشادات محلية ودولية واسعة بالإمكانيات الفنية والهندسية التي سُخرت لإنجاح الخبرة التدريبية.
و كشف الموسيقار أحمد عبد الرحمن أبو زهرة، المستشار الفني لمدينة الفنون والثقافة وصاحب فكرة الورشة، عن الأسباب والتفاصيل التي دفعته لإطلاق هذا المشروع الفني،
قائلاً:“استلهمت فكرة الورشة من واقع خبرتي الطويلة كعازف بيانو؛ فمنذ أن كنت طالباً وأنا أحرص على حضور وممارسة كميات كبيرة من ورش العمل والدروس المتقدمة في مختلف دول العالم مثل أوروبا وأمريكا وكندا وغيرها.
ومن خلال تلك التجارب المباشرة خضت خبرات مكثفة وعرفت القيمة الحقيقية والأثر الفني العميق لهذه الورش.
وحينما نظرت إلى المشهد الموسيقي والحالة الفنية التي نعيشها اليوم في مصر، تساءلت كيف يمكنني المساهمة بشكل عملي في تطوير قدرات وإمكانيات المواهب المصرية الجديدة والصاعدة.
ولأنني لم أكتفِ بالدراسة في هذه الورش عالمياً بل قمت بالتدريس فيها أيضاً في عدة دول كالمكسيك وألمانيا، كنت أعلم تماماً حجم الفائدة التي تنقصنا؛
فهذا النوع من الورش المكثفة الشاملة لم يحدث لدينا في مصر من قبل بهذه التجهيزات. ولذلك، فور توفر الفرصة والإمكانيات بمدينة الفنون والثقافة، كان القرار فورياً بنقل هذه الخبرات الدولية إلى أرض مصر.”
وأوضح أبو زهرة: “الرؤية كانت تتلخص في استغلال واستثمار المواقع والمقرات التي جُهزت داخل مدينة الفنون والثقافة للتعليم الموسيقي على أعلى مستوى عالمي،
إضافة إلى تفعيل وتشغيل آلات البيانو العالمية الرفيعة المتوفرة بالمدينة مثل شتاينواي وبوزندورفر؛ فالآلات الموسيقية كالبشر تماماً تتنفس، وتحتاج إلى العزف المستمر والتشغيل كي يزداد صوتها جودة وحلاوة وعذوبة مع الوقت. وكانت الورشة بأعدادها الكبيرة هي الفرصة المثالية والأنسب لتفعيل هذه الآلات وإشاعتها بالحياة.”
وأضاف أبو زهرة، المستشار الفني:” إن رد فعل الجمهور جاء رائعاً وفاق كل توقعاتي؛ فلم أكن أتخيل أن نحظى بهذه الأعداد الغفيرة من الحضور، وأن تصل بعض الحفلات إلى اكتمال سعة القاعات بالكامل. فهذا الإقبال الاستثنائي أسعدني بشكل لا يوصف؛
لأنه أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الجمهور المصري لديه عطش وشغف كبير جداً للفنون الراقية والإبداع الحقيقي، ويرغب بقوة في الاستماع إلى المواهب الشابة التي تقدم فناً محترماً.”
ورداً على ما يُثار حول كثافة العروض بالمدينة حالياً والخطط القادمة، حسم أبو زهرة الأمر بقوله:
وأكد أبو زهرة إن مدينة الفنون والثقافة لم تُفتتح رسمياً بعد، وما تشهده حالياً من عروض مسرحية أو موسيقية أو باليه هي عروض تجريبية هدفها اختبار المكان واكتشاف أي ملاحظات أو معوقات تشغيلية لمعالجتها فوراً،
حتى تكون المدينة بكامل جاهزيتها وطاقتها الاستيعابية عند الافتتاح الرسمي. خطتنا القادمة تستهدف استكمال هذه العروض التجريبية وتنظيم ورش عمل دورية شهرياً للآلات الموسيقية المختلفة، بل والتوسع لتشمل الورش مختلف قطاعات الفنون التشكيلية والتعبيرية، لربط الجمهور بهذا الصرح العظيم وتفجير طاقات المواهب المصرية لتنطلق من قلب العاصمة الإدارية.”
وقد صرح الفنان القدير وعازف البيانو العالمي د. رمزي يسى عن انبهاره البالغ بالإمكانيات الهندسية والصوتية للمدينة،
قائلاً: “لقد زرت وعزفت في أكبر دور الأوبرا والمسارح الموسيقية حول العالم، وأستطيع أن أؤكد بضمانة خبرتي أن مستوى مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة، وتحديداً جودة ونوعية الآلات الموسيقية المتوفرة بها، يتفوق على العديد من دور الأوبرا العالمية الشهيرة التي عزفت على مسارحها.
إن وجود صرح بهذه المواصفات الدولية الشاهقة يمنح شبابنا ومواهبنا الموسيقية البيئة المثالية والدافع القوي للوصول إلى أعلى المستويات الاحترافية على الساحة الدولية.”
وتابع د. رمزي يسى مشيداً بالمستوى الفني للطلاب: “لقد أظهر جميع المشاركين شغفاً حقيقياً والتزاماً استثنائياً بالتدريبات والجدول اليومي الشاق، وما شهدته من تطور ملحوظ وسريع في أدائهم الفني خلال أيام معدودة يؤكد أن مصر مليئة بالطاقات والمواهب الواعدة التي تحتاج فقط إلى التوجيه الصحيح والرعاية المناسبة.”
ومن جانبها، أفادت الخبيرة والعازفة المجرية العالمية نورا إيمودي في تحليل تجربتها الأكاديمية مع المتدربين، محددة رؤيتها الفنية والتربوية الشاملة التي نقلتها للطلاب خلال الورشة؛ حيث استهلت حديثها بالإعراب عن دهشتها الشديدة من إمكانيات الطلاب المصريين،
قائلة: “الطلاب المصريون أذكياء للغاية ولديهم طاقة إيجابية ودافئة بشكل استثنائي، ويمتلكون قدرة استثنائية وسريعة جداً على الاستيعاب والتطور في وقت قصير، مما جعل العمل معهم تجربة ممتعة وملهمة للغاية.”
وتحدثت إيمودي بتوسع عن المنهجية التعبيرية التي ركزت عليها مع العازفين الشباب، موضحة أن التحدي الأكبر لأي عازف بيانو هو كيفية إيجاد التوازن الدقيق بين احترام نوتة المؤلف الموسيقي والتزام النص المدون أصلاً،
وبين وضع روح وإحساس وشخصية العازف نفسه داخل المقطوعة؛ مؤكدة أنه لا يجب أن يكون العازف مجرد منفذ ميكانيكي للنوتة، بل مترجماً يحمل إحساس المؤلف بلمسته الخاصة.
وأضافت إيمودي أن المهارة التقنية وحركة الأصابع لا يمكن أن تنفصل بحال من الأحوال عن الفهم النظري والتحليل الموسيقي الهيكلي والتناغم للمقطوعة، مشيرة إلى أن استيعاب البناء التناغمي هو المفتاح الحقيقي للوصول بالمقطوعة إلى أعلى درجات التعبير الفني واللون الموسيقي المطلوب.
ولم تفوت إيمودي الإشادة بالبنية التحتية للمدينة، لافتة إلى أن توفر آلات بيانو عالمية رفيعة المستوى من طراز شتاينواي وبوزندورفر داخل قاعات تتمتع بأعلى معايير الهندسة الصوتية والتجهيزات الرفيعة،
قد أتاح للطلاب فرصة احترافية حقيقية لاكتشاف أبعاد ودقائق تعبيرية جديدة في عز فهم لم يكونوا ليختبرها على الآلات العادية.
واختتمت إيمودي حديثها بالتطرق لمشاركتها في العرض العربي الأول لكونشرتو باخ للأربعة بيانو والأوركسترا برفقة زميلاتها، مشيرة إلى أن هذه التجربة الفريدة عكست أسمى معاني التناغم والإنصات المتبادل والتواصل الروحي بين العازفين،
وهو المفهوم الأساسي الذي حرصت على غرسه في أذهان الطلاب ليعرفوا كيف يعزفون بروح الفريق الواحد على مسارح الموسيقى العالمية.
ومن جانبها، أكدت العازفة والأستاذة نغماية صفوت، المعيدة بقسم البيانو بالمعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار) بأكاديمية الفنون الحاصلة على جائزة الدولة التشجيعية في الفنون لعام 2025،
أنها شاركت في هذه الورشة من زاويتين متكاملتين؛ الأولى كعازفة بيانو في الحفلات، والثانية كجزء من فريق التنظيم والمتابعة. وعن كواليس العمل الإداري والتنظيمي،
وأوضحت نغماية: “الجهد التنظيمي كان كبيراً ومكثفاً للغاية تحت إشراف وتوجيهات د. أحمد أبو زهرة مدير الورشة؛ حيث كنا نعمل برفقة فريق عمل صغير حتى الرابعة فجراً، ونستيقظ في الثامنة صباحاً لمواصلة التحضيرات والمتابعة اليومية لضمان خروج الورشة بهذه الصورة المشرفة.”
وأشارت نغماية إلى الأثر الإنساني والاجتماعي العميق الذي تركته الورشة لدى المشاركين،
قائلة: “من أجمل ما شهدته الورشة على المستوى الاجتماعي هو التقارب الكبير بين الطلاب والأساتذة الكبار؛ حيث التمس المشاركون تواضعاً واحتواءً استثنائياً من د. رمزي يسى أسطورة البيانو في مصر ,
الذي كان يحرص يومياً على التواجد بين الشباب على مائدة الإفطار والغداء والعشاء وتبادل الأحاديث معهم ببساطة. هذا التعامل الراقي منه ومن بقية الأساتذة (د. ياسر، نورا، وميريت) قدم للطلاب قدوة عملية ملهمة؛ مفادها أن الفنان مهما بلغت مكانته، عليه أن يحافظ على تواضعه ويحرص على مشاركة علمه لنفع الآخرين.”
واختتمت نغماية تصريحها بالتأكيد على أن الورشة كشفت بشكل جلي عن امتلاك مصر لمواهب شابة ومستويات رفيعة جداً في عزف البيانو بمختلف المحافظات وليس في العاصمة فقط.
وعلى صعيد المتدربين، عبّر محمد عز الدين (عازف بيانو من مواليد 1980 ودارس سابق بمعهد الموسيقى العربية) عن سعادته البالغة بالمشاركة كـ “مستمع غير مقيم”،
قائلاً: “رغم دراستي القديمة للبيانو وعزفي لأعمال كبار الموسيقيين، إلا أن مشاركتي كمستمع في جلسات الورشة أضافت لي أبعاداً تعبيرية جديدة في كيفية ترجمة مشاعر المؤلف الموسيقي وإيصالها بصدق للجمهور.
لقد انبهرت بالمستويات الاحترافية للطلاب والأطفال المشاركين الذين لم تتجاوز أعمارهم 7 أو 8 سنوات. كما أن رؤيتي للفنان العالمي رمزي يسى يشرح ويحاضر أمامي كانت بمثابة حلم الطفولة يتحقق. الورشة كانت مجانية بالكامل ومثالية في تنظيمها وتوفر بياناتها بشكل ينم عن جهد واحترافية عالية، وأتمنى استمرار هذه الورش لمختلف الآلات.”
كما أبدت د. مي أحمد رشدي (الباحثة بكلية التربية الموسيقية الحاصلة على الماجستير في العلاج بالفن إحدى المشاركات بالورشة) امتنانها لهذه التجربة،
قائلة:“لقد شاركت وحضرت العديد من ورش البيانو سابقاً، لكن هذه الورشة تحديداً جاءت فريدة من نوعها ومختلفة تماماً في كل تفاصيلها التنظيمية والفنية. الأساتذة الكبار لم يغفلوا عن أي تفصيلة مهما كانت صغيرة؛
بدءاً من التفسير الأكاديمي لقراءة النوتة الموسيقية، والإيقاعات المعقدة، وصولاً إلى التدريب على أرقام الأصابع والدقائق التعبيرية للنغمات.
طريقة الشرح والاسلوب الراقي في التدريس أضافت لي الكثير ليس فقط كعازفة، بل على المستوى الأكاديمي والتربوي في كيفية التعامل الإيجابي والاحترافي مع طلابي مستقبلاً. وأتمنى من كل قلبي تكرار مثل هذه الورش العظيمة بمدينة الفنون والثقافة بصفة مستمرة تحت إشراف ورؤية الموسيقار أحمد أبو زهرة.”
واحتضنت قاعة الموسيقى فعاليات الحفل الختامي الذي أُقيم ليتوّج عشرة أيام متواصلة من العمل والتدريب المكثف؛ حيث شهد الحفل اللحظة الأبرز بتكريم عازفة البيانو الرائدة الأستاذة الدكتورة مارسيل متى،
تقديرًا لمسيرتها الفنية والعلمية الحافلة، ودورها التاريخي في إثراء الحياة الموسيقية والأكاديمية بمصر وتدريب أجيال متعاقبة من كبار العازفين.
وتضمن البرنامج الختامي تقديم عروض موسيقية حية ومتميزة لأبرز الطلاب المشاركين الذين عكسوا المستوى المتقدم والأداء الاحترافي الذي اكتسبوه خلال الورشة، قبل أن تُختتم الاحتفالية بمراسم توزيع شهادات التقدير واجتياز الورشة على جميع الطلاب المفهوم الأساسي الذي حرصت على غرسه في أذهان الطلاب ليعرفوا كيف يعزفون بروح الفريق الواحد على مسارح الموسيقى العالمية.
وجاء هذا الختام الناجح عقب برنامج فني حافل ومتكامل شهدته قاعة الموسيقى على مدار أيام الفعالية؛ حيث أُفتتحت الأحداث بحفل الاستقبال الذي شهد تكريم عازف البيانو العالمي الأستاذ رمزي يسى، وتضمن الحدث تقديم العرض العربي الأول لكونشرتو باخ للأربعة بيانو والأوركسترا بمشاركة نخبة من ألمع العازفين: نورا إيمودي، ياسر مختار، ميريت حنا، ونغماية صفوت.
كما شهدت الورشة تنظيم حفل “بيانو مانيا” الاستثنائي، والذي يُعد سابقة عالمية قُدمت لأول مرة في العالم على مسرح موسيقي مخصص عبر عزف مقطوعات وأعمال موسيقية شارك فيها 8 بيانوهات في وقت واحد وعلى نفس المسرح، وتضمن الحفل تكريم الموسيقار الكبير عمر خيرت بمشاركة الفرقة المصرية للبيانو.
ولم تقتصر الورشة على التدريب العملي على الآلة فحسب، بل خاض المشاركون برنامجاً تدريبياً وثقافياً متكاملاً؛ شمل إقامة لقاءات حوارية وصالونات ثقافية بمسرح الدراما حول العلاقة بين الموسيقى والمعمار,
بمشاركة الأستاذ رمزي يسى والمهندس صلاح الدين عبد الله، إلى جانب حوارات فنية مفتوحة مع أساتذة الورشة ياسر مختار وميريت حنا ونورا إيمودي.
كما شهد البرنامج تنظيم ورشة عمل مصغرة مخصصة لآليات ضبط وإصلاح صيانة البيانو قدمها الخبير الفرنسي ستيفان بوسوج، إضافة إلى درس متقدم مخصص بعنوان “فهم الجاز الموسيقيين الكلاسيكيين” قدمه الفنان ورائد الجاز رامي عطا الله.
مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة نجاح ورشة البيانو المتقدمة وتكريم الدكتورة مارسيل متى والمواهب الشابة
















