
لا تجعلوا من الحوادث الفردية وقودًا للفتنة
لا تجعلوا من الحوادث الفردية وقودًا للفتنة في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة سريعة لانتشار الأخبار والمواقف والتعليقات، بات من السهل أن تتحول واقعة فردية إلى قضية عامة،
وأن ينتقل خلاف أو منشور أو تصريح من نطاقه المحدود إلى مساحة أوسع، قد تحمل معها الكثير من التفسيرات والانفعالات التي تتجاوز أحيانًا حقيقة الواقعة نفسها.
ومن هذا المنطلق، جاءت حالة الجدل التي أثيرت مؤخرًا حول ما نُسب إلى المذيعة دينا المصري، وما صاحبها من تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي اعتبرت أن ما كتبته يمثل إساءة إلى المسيحيين.
وبعيدًا عن تفاصيل الواقعة، أو الدخول في الحكم على ما قيل أو نُشر، فإن الأهم هو التوقف أمام ظاهرة أخطر من الواقعة نفسها؛ وهي محاولة تحويل التصرف الفردي إلى موقف يمثل فئة كاملة من المجتمع.
فإذا أخطأ شخص مسلم، فلا يجوز أن نقول إن المسلمين جميعًا يتحملون مسؤولية خطئه، وإذا أخطأ شخص مسيحي، فلا يمكن بأي حال أن يصبح خطؤه عنوانًا للمسيحيين جميعًا.
هذه هي القاعدة التي يجب أن تحكم تعاملنا مع مثل هذه الوقائع.
المجتمع المصري أكبر من منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، وأعمق من تعليق غاضب، وأقوى من أن تهتز علاقاته بسبب تصرف فردي.
لقد عاش المسلمون والمسيحيون في مصر جنبًا إلى جنب عبر عقود طويلة، وتقاسموا الوطن والشارع والعمل والمدرسة والجامعة والأفراح والأحزان، وكانت بينهم علاقات إنسانية واجتماعية تتجاوز كثيرًا ما قد يظهر أحيانًا على شاشات الهواتف.
ولذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صدور عبارة مسيئة أو موقف غير مسؤول، وإنما في استغلال هذه المواقف لتوسيع دائرة الخلاف وإقناع الناس بأن هناك صراعًا بين أبناء الوطن الواحد.
وهنا يأتي دور الوعي.
فليس كل ما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يستحق أن يتحول إلى معركة، وليس كل منشور يجب أن يكون سببًا في الانقسام، وليس كل شخص يكتب تعليقًا يمثل دينه أو طائفته أو المجتمع الذي ينتمي إليه.
والأخطر من ذلك أن هناك من قد يحاول استغلال مثل هذه الوقائع لإثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، مستفيدًا من سرعة انتشار المحتوى، ومن ردود الفعل العاطفية، ومن رغبة البعض في تصديق أسوأ ما يقال عن الآخر.
ضعاف النفوس وأصحاب الأجندات لا يحتاجون إلا إلى شرارة صغيرة حتى يحاولوا تحويلها إلى حريق كبير.
ولهذا، فإن التعامل الصحيح مع أي واقعة من هذا النوع يجب أن يكون من خلال القانون والمؤسسات المختصة، وليس من خلال حملات التشهير أو التعميم أو تبادل الاتهامات بين أبناء المجتمع الواحد.
ومن حق أي مواطن أن يعترض على الإساءة، ومن حق أي شخص أن يطالب بالتحقيق في واقعة يراها مخالفة للقانون أو للآداب العامة، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من تصرف فردي مبررًا للإساءة إلى ملايين المصريين.
المسلم ليس مسؤولًا عن خطأ مسلم آخر، والمسيحي ليس مسؤولًا عن خطأ مسيحي آخر.
وإذا كنا نريد بالفعل الحفاظ على النسيج الوطني، فعلينا أن نرفض الإساءة أيًا كان مصدرها، وأن ندافع عن الاحترام المتبادل دون ازدواجية، وأن نحتكم إلى القانون دون أن نسمح لمواقع التواصل الاجتماعي بأن تتحول إلى ساحات لمحاكمة الناس أو تقسيم المجتمع.
مصر لم تكن يومًا مجرد مجموعة من الطوائف التي تعيش بجوار بعضها، وإنما وطن واحد جمع أبناءه على مدى التاريخ.
وفي الأزمات والمواقف الصعبة، ظهر دائمًا المعدن الحقيقي للمصريين؛ مسلمون ومسيحيون يقفون إلى جوار بعضهم البعض، لأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يحاول البعض أن يفرقهم.
ومن هنا، فإن الرسالة التي يجب أن نخرج بها من أي واقعة مشابهة ليست البحث عن خصومة جديدة، وإنما التأكيد على أن الوحدة الوطنية مسؤولية الجميع.
فلنحاسب المخطئ إذا ثبت خطؤه، ولنرفض الإساءة أيًا كان مرتكبها، ولكن في الوقت نفسه لا نحول الفرد إلى جماعة، ولا الجماعة إلى خصم، ولا الواقعة العابرة إلى أزمة وطنية.
مصر تحتاج إلى الوعي أكثر من حاجتها إلى الغضب، وإلى العقل أكثر من حاجتها إلى التلاسن، وإلى التمسك بالوحدة الوطنية أكثر من حاجتها إلى البحث عن أسباب للانقسام.
وفي النهاية، يبقى المسلم والمسيحي شريكين في وطن واحد، تجمعهما الأرض والتاريخ والمستقبل، ولن يستطيع منشور على مواقع التواصل الاجتماعي أن يغير هذه الحقيقة.
مصر وطن واحد.. ومسلموها ومسيحيوها نسيج واحد.. وأي واقعة فردية لا يجب أن تكون أبدًا عنوانًا لعلاقة ملايين المصريين ببعضهم البعض.
