«كسوة الكعبة المشرفة.. إرث إسلامي ثمين وعشق مصري ممتد وتقاليد تتجدد عبر العصور.»
كتبت. نور حلمى

«كسوة الكعبة المشرفة.. إرث إسلامي ثمين وعشق مصري ممتد وتقاليد تتجدد عبر العصور.»
«كسوة الكعبة المشرفة.. إرث إسلامي ثمين وعشق مصري ممتد وتقاليد تتجدد عبر العصور.»
ليست كسوة الكعبة المشرفة مجرد قماش حريري يغطي بناءً مربعاً، بل هي واحدة من أعظم مظاهر التبجيل والتشريف لبيت الله الحرام، وتاريخ حافل يمتد عبر العصور،
يمتزج فيه الفن الإسلامي الرفيع بأعلى درجات التعبد والتقديس، وترتبط به قلوب المسلمين عبر الزمن.
تاريخ ممتد وعادة من الجذور
بدأت قصة الكسوة منذ عهد ما قبل الإسلام، حيث كانت تُكسى الكعبة كنوع من التعظيم. وتذكر الروايات التاريخية أن أول من كساها كاملاً هو الملك الحِميري “تُبَّع الأسعد”. ومع إشراق نور الإسلام، استمرت هذه العادة العظيمة؛
فكساها النبي محمد ﷺ بالثياب اليمانية، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون، وتنقّلت صناعة الكسوة عبر العصور بين المدينة المنورة، والشام، ومصر، وصولاً إلى العصر السعودي الحديث.
في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، تأسست دار خاصة لصناعة الكسوة في مكة المكرمة، لتستقل المملكة بصناعتها بالكامل بأيدي كفاءات وطنية وبأعلى معايير الجودة العالمية في “مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة”.
الارتباط المصري بالكسوة: تاريخ من الشرف والعشق يحمل التاريخ بين طياته فصلاً استثنائياً يربط مصر بالكعبة المشرفة،
حيث حظيت مصر لقرون طويلة بشرف حياكة وتصنيع الكسوة الشريفة، وتجسيد عمق المكانة الدينية لبيت الله في قلوب المصريين:
الانتظام المملوكي والوقف: بدأ الانتظام الحقيقي للكسوة المصرية في عهد الدولة الفاطمية، ومع صعود الدولة المملوكية
(تحديداً في عهد السلطان الظاهر بيبرس)، أصبحت الكسوة تُرسل من مصر سنوياً. وتأسس “وقف الكسوة الشريفة” لضمان تمويلها من أفضل خامات الحرير والذهب والفضة.
من “تنيس” إلى “حي الخرنفش”: اشتهرت مدينة “تنيس” المصرية قديماً بحياكة الكسوة الفاخرة. وفي عام 1818م، أسس الوالي محمد علي باشا “دار كسوة الكعبة” بمنطقة الخرنفش في حي الجمالية بالقاهرة، لتصبح مدرسة فنية يتبارى فيها كبار الخطاطين والمطرزين المصريين.
كرنفال “المحمل المصري”: كان خروج الكسوة من القاهرة احتفالاً وطنياً وشعبياً مهيباً. يُوضع “المحمل” (وهو هودج خشبي فخم) على جمل ضخم يتقدم قافلة الحجاج، وتُحمل الكسوة
بجانبه وسط تهليلات الملايين، وعزف الموسيقى، بحضور الملوك والولاة، قبل انطلاق القافلة عبر الصحراء.
الكسوة الداخلية والبرقع: لم يقتصر العطاء المصري على الثوب الأسود الخارجي؛ بل كان الحرفيون المصريون يصنعون الكسوة الداخلية الخضراء، وستارة باب الكعبة (البرقع) المطرزة بالذهب الخالص، واستمر هذا الشرف حتى عام 1962م.
تحفة فنية وصناعة دقيقة
تمر صناعة الكسوة بمراحل معقدة تتطلب دقة متناهية وصبرًا طويلًا، وتتوزع على عدة أقسام رئيسية:
الصباغة والنسيج: يُستخدم فيها حوالي 850 كيلوجراماً من الحرير الطبيعي الخالص المصبوغ باللون الأسود، والمنقوش بعبارات مكررة مثل (يا الله يا الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله).
التطريز المذهب: يُستخدم نحو 120 كيلوجراماً من أسلاك الذهب و100 كيلوجرام من أسلاك الفضة لخط الآيات القرآنية والزخارف الإسلامية على حزام الكسوة المكون من 16 قطعة تحيط بالكعبة.
موعد التغيير: مشهد يتجدد مع إشراقة العام الهجري
استقر العرف التنظيمي في السنوات الأخيرة على تغيير كسوة الكعبة المشرفة مرة واحدة كل عام، وتحديداً في ليلة رأس السنة الهجرية (الأول من شهر محرم)، بعد أن كانت تُغير سابقاً في يوم عرفة.
ومواكبةً لهذا العهد الممتد، شهدت مكة المكرمة بالأمس (مع بداية أول أيام شهر محرم الحرام للعام الهجري الجديد) ذلك المشهد الروحاني المهيب؛ حيث قام عشرات الفنيين والمهندسين السعوديين بإنزال الكسوة القديمة بحرص شديد، واستبدالها بالثوب الجديد المذهب.
تم الثوب الجديد بتناسق تام ووفق أعلى منظومة أمنية وتنظيمية، لتطل الكعبة المشرفة على ضيوف الرحمن وثوبها يبرق بالآيات والذهب، معلنةً بداية عام هجري جديد.
تظل كسوة الكعبة المشرفة برمزيتها الدينية، وجمالها البصري، وقيمتها التاريخية التي اشتركت في صياغتها سواعد الأمة الإسلامية من مصر إلى الحجاز،
شاهداً حياً على تعظيم المسلمين لقبلتهم، وبراعة الإنسان في تسخير أرقى الفنون لخدمة العقيدة والمقدسات.




