
قرار الإغلاق الساعة 9 مساءً… هل عالج أزمة أم صنع أزمات؟
في لحظة اقتصادية دقيقة، تتشابك فيها التحديات الداخلية مع الضغوط العالمية، صدر قرار إغلاق المحلات والمطاعم والكافيهات في تمام الساعة التاسعة مساءً، ليضع الشارع المصري أمام تساؤلات مشروعة تتجاوز مجرد “تنظيم المواعيد” إلى جوهر التأثير الحقيقي على الاقتصاد والمجتمع.
لا خلاف على أن ترشيد استهلاك الطاقة هدف وطني ضروري، خاصة في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة. لكن إدارة هذا الهدف يجب أن تتم بأدوات دقيقة، تقوم على حسابات واضحة، وليس فقط بقرارات عامة قد تصيب قطاعات حيوية في مقتل دون تمييز.
السؤال الأول الذي يفرض نفسه: هل هذا القرار مبني على بيانات دقيقة؟
هل تم إعلان نسبة استهلاك المحلات والمطاعم والكافيهات من إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر؟ وهل هذه النسبة تبرر إجراءً بهذا الحجم من التأثير؟
في المقابل، ما حجم استهلاك القطاع المنزلي أو الصناعي؟ وأين تقع أولويات الترشيد؟
غياب هذه الأرقام عن الرأي العام لا يخلق فقط حالة من الغموض، بل يفتح الباب أمام فقدان الثقة في جدوى القرار، حتى لو كانت نواياه صحيحة.
لكن الأثر الأخطر لا يقف عند حدود الكهرباء… بل يمتد إلى لقمة العيش.
مصر ليست دولة تعمل من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً فقط.
بل إن جزءًا كبيرًا من اقتصادها غير الرسمي، بل وحتى الرسمي، يعتمد على الفترة المسائية.
المطاعم، الكافيهات، المحلات التجارية، خدمات التوصيل، العمالة اليومية… كلها قطاعات تنبض بالحياة بعد غروب الشمس.
ماذا عن هؤلاء؟
عامل الوردية الثانية الذي كان يبدأ عمله مساءً ليعوض ضعف دخله الصباحي…
الشاب الذي يعمل مساءً لينفق على دراسته أو أسرته…
العامل الذي بالكاد يكفيه راتبه، فيعتمد على “الشفت التاني” ليعيش…
هؤلاء جميعًا يقفون اليوم أمام معادلة قاسية:
إما انخفاض الدخل… أو فقدان العمل بالكامل.
أما أصحاب المنشآت، فالوضع لا يقل صعوبة.
تقليص ساعات العمل يعني بالضرورة تقليص حجم التشغيل، وهو ما يدفع كثيرين إلى إعادة النظر في عدد العاملين لديهم، أو تقليل الأجور، أو حتى الإغلاق الجزئي.
وهنا تتجلى المفارقة:
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى زيادة الدخول وتحسين مستوى المعيشة، يأتي قرار كهذا ليضغط في الاتجاه المعاكس، ولو بشكل غير مباشر.
الأمر لا يتعلق برفض القرار من حيث المبدأ، بل بطريقة تطبيقه.
فالإدارة الرشيدة لا تُقاس فقط بسرعة اتخاذ القرار، بل بمدى توازنه وقدرته على تحقيق الهدف دون إحداث خسائر جانبية فادحة.
كان يمكن—وربما لا يزال ممكنًا—طرح بدائل أكثر مرونة:
تقليل الإضاءة غير الضرورية بدلًا من تقليص ساعات العمل
تطبيق نظم ترشيد ذكية حسب طبيعة النشاط
استثناء بعض القطاعات أو المناطق الحيوية
أو حتى تطبيق القرار تدريجيًا بدلًا من فرضه بشكل مفاجئ
كما كان من الضروري أن يصاحب القرار حوار مجتمعي حقيقي، يشارك فيه أصحاب المصالح والخبراء، لتقدير التكلفة والعائد بشكل شفاف.
في النهاية، الأوطان تُبنى بالتوازن…
بين ضرورة الإصلاح الاقتصادي، وحق المواطن في العمل والحياة الكريمة.
فالقرارات الاقتصادية لا تُقاس فقط بما توفره من طاقة،
بل بما تحافظ عليه من بشر.

قرار الإغلاق الساعة 9 مساءً… هل عالج أزمة أم صنع أزمات؟




