صراع الروايات.. حينما تغيب الحقيقة في “ممرات المدارس”
بقلم: أحمد المطعني
في الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام المصري، وأولياء الأمور، والتربويون، أجوبة شافية حول ما يحدث خلف أسوار المدارس خلال موسم الامتحانات، نجد أنفسنا أمام حالة من “التخبط” في البيانات الرسمية، تحول واقعة اعتداء موثقة بمقطع فيديو إلى لغز يطرح تساؤلات أكثر مما يقدم إجابات.
الروايات الثلاث: من نصدق؟
لقد شهدنا في الساعات الأخيرة ثلاثة اتجاهات رسمية متضاربة حول واقعة الاعتداء على مُعلمة في محافظة الشرقية:
مديرية التربية والتعليم بالشرقية:
اكتفت بنفي الواقعة، واضعة إياها في إطار “مشاجرة بين أولياء أمور” لا صلة لها بالمدرسة، في محاولة واضحة لغسل اليد من أي تقصير إداري أو أمني داخل أسوار المؤسسة التعليمية.
وزارة التربية والتعليم:
أكدت أن المشاجرة وقعت “خارج المدرسة”، وهو ما يتماشى مع سياسة “الإنكار المؤسسي” التي تهدف إلى الحفاظ على صورة المنظومة، حتى لو كان ذلك على حساب الواقع الملموس.
وزارة الداخلية:
وفي بيان حاسم، أغلقت دائرة الجدل، مؤكدة وقوع الاعتداء بالفعل، ومحددة أطراف المشاجرة (مُعلمة وولية أمر)، ومؤكدة أن الواقعة حدثت “داخل فناء المدرسة” بسبب خلافات متعلقة بمحاولات الغش.
لماذا تغيب الشفافية؟
إن التضارب بين هذه الجهات يضعنا أمام سؤال جوهري لماذا تخشى المؤسسات التعليمية مواجهة الحقيقة؟
حينما تنفي مديرية التعليم أو الوزارة وقوع واقعة أمنية داخل نطاق إشرافها، بينما تثبتها وزارة الداخلية بالتحقيقات والمحاضر الرسمية، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد “خناقة”، بل نتحدث عن أزمة ثقة.
إن محاولة تجميل الواقع أو نفي الأحداث لا يحمي المنظومة التعليمية، بل يضعفها، ويجعل من “المدرسة” -التي يجب أن تكون ملاذاً آمناً للمعلم والطالب- ساحة للفوضى والإنكار.
ما وراء “الغش” و”الاعتداء”
القضية ليست مجرد اعتداء جسدي على مُعلمة، بل هي مؤشر خطير على تآكل القيمة التربوية. عندما تتحول الامتحانات من “مقياس للتحصيل العلمي” إلى “حلبة صراع” بين أولياء الأمور، ويتدخل الأهالي لفرض الغش بالقوة، فهذا يعني أننا أمام انهيار لمنظومة القيم داخل المجتمع المدرسي.
كلمة الفصل: لماذا نعتمد رواية الداخلية؟
في خضم هذا التضارب، نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل التأويل؛ فبيان وزارة الداخلية لم يأتِ ليغلق ملف القضية جنائياً فحسب، بل جاء ليكون “شهادة الحقيقة” التي كشفت زيف البيانات التجميلية الصادرة عن مديرية التربية والتعليم والوزارة.
إن اعتمادنا على رواية وزارة الداخلية لا ينبع من فراغ، بل من كونها الجهة التي استندت إلى الفحص الجنائي، وأقوال الأطراف، والتحقيقات الرسمية، بينما ظلت تصريحات “التعليم” أسيرة لمحاولات الهروب من المسؤولية، وتصدير مشهد “النفي” وكأن حماية المدارس من البلطجة تقع خارج نطاق اختصاصهم.
إن محاولة المؤسسة التعليمية غسل يدها من الواقعة، في وقت تؤكد فيه الداخلية وقوع الجريمة داخل أسوار المدرسة، هو في حد ذاته “إدانة إدارية” تستوجب المساءلة. فالمدرسة التي لا تستطيع حماية مُعلمها من “ولية أمر” تستخدم القوة لفرض الغش، هي مدرسة فقدت بوصلتها الأخلاقية والأمنية.
إننا نطالب اليوم ليس فقط بحماية المعلم، بل بمحاسبة من حاولوا تضليل الرأي العام ببيانات كاذبة، فالاعتداء على هيبة المُعلم بدأ حينما تهاونت الإدارة في إقرار الواقع، وتأكدت حينما تغاضت عن أمن اللجان. إن الحقيقة قد ظهرت، والكرة الآن في ملعب وزارة التربية والتعليم:
فهل ستكون هناك قرارات حاسمة تُعيد للمدرسة هيبتها، أم سنكتفي بتصريحات النفي التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟




