
دكتور ثناء العمدة تكتب: على مهلٍ يرحل العمر
لم يرحل العمر دفعةً واحدة.
كان يأخذ معه شيئًا صغيرًا في كل مرة، ويمضي.
ضحكةً كانت تملأ البيت، وصوتًا ألفناه حتى ظنناه جزءًا من أيامنا، ووجوهًا أحببناها بصدق، فلم يخطر ببالنا أنها قد تغيب.
كبرنا، لا حين مرّت السنوات، بل حين بدأنا نفهم معنى الفقد.
ما أقسى الأشياء التي تحدث للمرة الأخيرة دون أن ننتبه.
آخر حديث، آخر مصافحة، آخر مرة افترقنا فيها على وعدٍ بلقاء قريب، ثم مضت الأيام، وأخذت كل شيء معها.
ومنذ ذلك الوقت، صرنا نحمل من نحب بطريقة أخرى.
يكفي أن نسمع أغنية قديمة، أو أن تقع أيدينا على صورة نسيها الزمن، حتى تعود إلينا أيام كاملة، بأصواتها ووجوهها، وبكل ما كان يمنح القلب طمأنينته.
ونكتشف متأخرين أن السعادة لم تكن في الأشياء الكبيرة.
كانت في مساءات عادية، وفي فنجان شاي يبرد على مهل، وفي حديث بسيط امتد دون استعجال، وفي ضحكات ظننا أنها ستتكرر دائمًا.
لكن الأيام تمضي، وتترك لنا الذكريات لنفهم متأخرين أن أجمل ما مر بنا لم يكن استثنائيًا، بل كان بسيطًا إلى حد أننا لم ننتبه إليه.
ولهذا، كلما عدت بذاكرتي إلى الوراء، لا أحزن لأن الأيام انتهت، فكل شيء في هذه الدنيا عابر.
لكنني أحزن قليلًا لأنني لم أعرف قيمة بعض اللحظات إلا بعدما أصبحت ذكرى.
فالذين منحونا المحبة، لم يكونوا عابرين كما ظننا.
تركوا شيئًا من أرواحهم فينا، ولهذا، كلما اشتد الحنين، أشعر أنهم لم يبتعدوا كثيرًا.
وحين يطول المساء، أجلس قليلًا مع الذكريات.
لا لأعيد ما مضى، فالأيام لا تعود،
ولكن لأطمئن قلبي أن الأشياء التي أحببناها بصدق لا ترحل تمامًا.
تبقى معنا، في دعوة صادقة، وفي ابتسامة تسبق الدموع بقليل.
وربما لهذا السبب،
كلما رحل العمر، ترك وراءه ما يستحق أن نتذكره.
دكتور ثناء العمدة تكتب:
على مهلٍ يرحل العمر



