مقالات ووجهات نظر

“حين يصبح التدين ستاراً يخفي حقيقة الإنسان”

كتبت د. محاسن عويضه

“حين يصبح التدين ستاراً يخفي حقيقة الإنسان”

"حين يصبح التدين ستاراً يخفي حقيقة الإنسان"

“حين يصبح التدين ستاراً يخفي حقيقة الإنسان”

 أصبحنا نعيش في زمن أصبحت فيه الصورة تسبق الحقيقة والإنطباع يسبق المعرفة وما يراه الناس عن الإنسان قد يكون أحياناً مختلفاً تماماً عما هو عليه في الواقع

وأصبحت وسائل التواصل الإجتماعي تمنح الإنسان مساحة واسعة ليختار الصورة التي يريد أن يراه الناس بها وأن يقدم نفسه بالطريقة التي تمنحه القبول والثقة والاحترام ولا مشكلة في أن يحرص الإنسان على صورته أو أن يُظهر ما يؤمن به

فالمشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة بديلاً عن الحقيقة وعندما يتحول المظهر إلى وسيلة لإخفاء جوهر يناقضه على مدار فترة طويلة تابعت عدداً من الموضوعات التي أُثير حولها جدل وخلاف على مواقع التواصل الإجتماعي

ولفت نظري مستوى بعض الردود والتعليقات ألفاظ جارحة وتجريح وسخرية واتهامات وأحياناً عبارات يندى لها الجبين ويخجل المرء من مجرد قراءتها والأكثر إثارة للتساؤل أنني عندما كنت أطلع على هذه الصفحات

والصور الشخصية لبعض أصحاب هذه التعليقات أجد أحياناً مظهراً دينياً واضحاً لحية أو علامات تدين سولء علي الحبين أو الزي أو صفحات ممتلئة بالآيات والأحاديث والمواعظ

وهنا يطرح المشهد سؤالًا صعباً لماذا يلجأ بعض من يظلمون الناس ويغتصبون حقوقهم ويفتقدون الصدق والضمير إلى المظهر الديني ليكون ستاراً لهم؟

ربما لأن المظهر يمنح صاحبه شيئًا لا يمنحه السلوك أحياناً الثقة وحسن الظن ففي مجتمعاتنا قد يُنظر إلى صاحب المظهر الديني باعتباره أكثر صلاحاً وأمانة فيحصل على رصيد من الثقة قبل أن يثبت سلوكه ذلك

وهنا يستطيع بعض الناس أن يستخدموا الصورة الدينية لتجميل صورتهم أمام الآخرين أو لإخفاء جانب من حقيقتهم لا يريدون أن يراه الناس والمشكلة هنا ليست في الدين ولا في اللحية ولا في المظهر المحافظ

ولا في نشر الآيات والأحاديث فكل ذلك قد يكون تعبيراً صادقاً عن إيمان صاحبه المشكلة تبدأ عندما يتحول المظهر إلى ستار والشعار إلى بديل عن الأخلاق والصورة إلى وسيلة تمنح صاحبها حصانة أخلاقية لا يمنحها سلوكه

فالإنسان قد يستطيع أن يكتب عن الرحمة لكن الاختبار الحقيقي هو كيف يتعامل مع من أغضبه وقد يتحدث عن الصدق لكن الاختبار هو ماذا يفعل عندما يكون الكذب في مصلحته وقد ينشر عن الأخلاق لكن الاختبار الحقيقي هو كيف يتصرف عندما يختلف مع شخص

أو عندما تكون له مصلحة في ظلمه أو عندما يمتلك القدرة على هضم حقه دون أن يخشى حساباً فالخلاف تحديداً يكشف الكثير مما تخفيه الصورة عند الاتفاق يستطيع الجميع تقريباً أن يبدو مهذباً ومتزناً أما عند الاختلاف

فتظهر التربية ويظهر مستوى ضبط النفس ويظهر إحترام الإنسان للآخر ويظهر ما إذا كانت القيم التي يتحدث عنها صاحبها قد أصبحت جزءاً من شخصيته أم أنها مجرد كلمات يقولها عندما تكون الظروف مناسبة ولهذا فإن التدين الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يظهر على الوجه أو الملابس أو الصفحات

وإنما بما يتركه في السلوك فما قيمة كثرة الحديث عن الدين إذا كان اللسان يؤذي؟ وما قيمة الحديث عن الأخلاق إذا كان الإنسان يظلم من يختلف معه؟ وما قيمة الآيات

والأحاديث التي تملأ الصفحة إذا كان صاحبها لا يتورع عن الكذب أو التجريح أو هضم حقوق الآخرين؟ والأمر لا يعني أن كل صاحب مظهر ديني منافق أو سيئ فهذا ظلم وتعميم لا يصح كما أن غياب المظهر الديني لا يعني بالضرورة غياب الأخلاق

فالناس لا تُعرف حقائقهم من صورهم وحدها وإنما من مواقفهم ومعاملاتهم المتكررة لكن المؤلم حقاً هو أن يتحول الدين عند بعض الناس من وسيلة لإصلاح النفس إلى وسيلة لتحسين صورتها أمام الآخرين فيصبح الاهتمام بما يراه الناس أكبر من الاهتمام بما يراه الضمير

وقد يكون هذا هو السبب في أن بعض أصحاب السلوك المؤذي يتمسكون بالمظهر الديني لأن المظهر يمنحهم ثقة اجتماعية بينما الأخلاق الحقيقية تحتاج إلى عمل طويل على النفس وإلى صدق مع الذات وإلى قدرة على الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه وفي النهاية لا تسقط الأقنعة عندما يتحدث الإنسان عن نفسه وإنما تسقط

عندما يُختبر تسقط عند الغضب وعند الخلاف وعند المصلحة وعند امتلاك القوة وعندما يكون ظلم الآخرين أسهل من إنصافهم هناك تحديداً يظهر الفرق بين من يحمل مظهر التدين ومن يحمل أثر الدين في داخله فالدين الذي لا يجعل صاحبه أصدق وأرحم وأعدل

وأحفظ للسانه وحقوق الناس لم يتحول بعد إلى أخلاق وقد يخدع المظهر الناس لبعض الوقت وقد تمنح المنشورات صاحبها صورة جميلةوقد تصنع الكلمات انطباعاً عن التقوى لكن الإنسان لا يستطيع أن يختبئ إلى الأبد خلف صورته

فحين تتناقض الأقوال مع الأفعال لا ينبغي أن نبحث عن الحقيقة في الأقوال لأن الأفعال المتكررة هي التي تكشف الحقيقة وما يحتاج إلى تفسير حينها هو هذا التناقض بين ما يقوله الإنسان عن نفسه وما يفعله في الواقع. 

"حين يصبح التدين ستاراً يخفي حقيقة الإنسان"

“حين يصبح التدين ستاراً يخفي حقيقة الإنسان”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى