مقالات ووجهات نظر

حين يتحول الاتهام إلى محكمة شعبية

بقلم : دكتور احمد طه عفيفى

حين يتحول الاتهام إلى محكمة شعبية

في زمن السوشيال ميديا لم يعد الإنسان يُحاكم داخل قاعات القضاء فقط، بل أصبح أحيانًا يُحاكم أمام ملايين الأشخاص بضغطة زر، ومنشور مجهول، وعنوان مثير، وترند يشتعل في ساعات قليلة دون انتظار لحقيقة أو دليل أو حتى كلمة من جهة تحقيق رسمية.

ما حدث مع أستاذ كلية التجارة بجامعة طنطا يفتح بابًا خطيرًا للنقاش… لسنا هنا بصدد الدفاع عن شخص بعينه أو الهجوم على آخر، فالقضاء وحده صاحب الكلمة، لكننا أمام مشهد مرعب يمكن أن يهدم حياة إنسان بالكامل قبل أن تبدأ الحقيقة في الظهور.

أستاذ دكتور قضى سنوات طويلة داخل الجامعة، تتلمذ على يديه أجيال كثيرة، ووصل إلى مكانة علمية وإدارية كبيرة داخل جامعة طنطا، يجد نفسه فجأة متهمًا في واقعة انتشرت كالنار في الهشيم. الكل تحدث… الكل حكم… الكل أصبح قاضيًا ومحققًا وخبيرًا نفسيًا في لحظات.

صفحات ومواقع بدأت تنشر الرواية وكأنها حقيقة نهائية، وبعضها تعامل مع الاتهام باعتباره إدانة مكتملة الأركان، دون انتظار تحقيق، أو سماع دفاع، أو احترام لأبسط قواعد العدالة.

الأخطر من ذلك أن هناك من بدأ يردد: “دي مش أول مرة” وهي جملة خطيرة جدًا، لأنها تتحول مع الوقت إلى وسيلة لترسيخ الإدانة في عقول الناس حتى دون دليل واحد.

للأسف، البعض لا يدرك أن البلاغ الكيدي يمكن أن يدمر إنسانًا بالكامل. سمعة… أسرة… أبناء… تاريخ مهني… مكانة اجتماعية… كل ذلك قد ينهار بسبب منشور أو اتهام لم تثبت صحته.

والسؤال الأهم: إذا ثبت يومًا أن الاتهام غير صحيح أو كيدي… من سيعيد لهذا الرجل حقه؟ من سيعوض أسرته عن الضغط النفسي؟ من سيمحو نظرات الشك؟ من سيعيد الهيبة التي حاول البعض هدمها في ساعات؟ ومن سيحاسب الصفحات والمواقع التي سبقت القضاء وأصدرت أحكامها؟

للأسف، هناك من يتعامل مع سمعة الناس وكأنها لعبة ترند ومشاهدات وتفاعل. لا أحد يفكر أن وراء الاسم إنسانًا يعيش ويتألم وله أبناء وأقارب وتاريخ طويل.

وهنا يجب التأكيد على مبدأ مهم جدًا: الدفاع عن قرينة البراءة لا يعني مهاجمة أي فتاة أو التقليل من أي بلاغ حقيقي. فأي واقعة تحرش أو تجاوز حقيقية يجب التعامل معها بمنتهى الحزم. لكن في المقابل، الاتهام دون دليل، أو تحويل مواقع التواصل إلى ساحات إعدام معنوي، يمثل خطرًا لا يقل بشاعة.

القانون وُجد ليحقق العدالة، لا لينتقم. والعدالة لا تقوم على التعاطف وحده، بل على الأدلة والتحقيقات والحقائق.

المجتمعات المحترمة لا تُدين الناس بالترند، ولا تجعل السوشيال ميديا بديلًا عن القضاء.

وفي النهاية… قد يختلف الناس، وقد تختلط الروايات، لكن يبقى الحق ثابتًا لا يضيع عند الله. وعند الله تجتمع الخصوم، وهناك فقط تظهر الحقيقة كاملة بلا ترند، ولا لجان، ولا ضجيج.

حين يتحول الاتهام إلى محكمة شعبية

حين يتحول الاتهام إلى محكمة شعبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى