بين الأرقام البراقة في المؤتمرات والواقع المرير بالمدارس: مَنْ يُصدّق مَنْ؟
بقلم: أحمد المطعني
بين الأرقام البراقة في المؤتمرات والواقع المرير بالمدارس: مَنْ يُصدّق مَنْ؟
قيل قديماً: “ليست الحقيقة إلا ما نعيشه ونلمسه بأيدينا”، والحقيقة اليوم واضحة كالشمس في كبد السماء، لا يختلف عليها اثنان، ولا يتجاهلها إلا منافق.
وقبل أن أكون كاتباً يمسك بالقلم ليحلل وينقد، أنا “أب”؛ أعيش التجربة يومياً بقلبي وجيبي، وأرى بعيني ما يواجهه أبنائي داخل طاحونة التعليم الحالي.
ومن هذا المنطلق الصادق أكتب، فأنا لسْتُ مع أحد ضد أحد، ولا أَبخس الوزير حقه فيما يقوم به من محاولات جادة وجهود ملموسة، لكنني في الوقت ذاته أرفض تماماً أن يكون هذا التقدير على حساب ما نراه ونعيشه ونعانيه على أرض الواقع.
إن أردتم معرفة الحقيقة المجردة دون تجميل، ودون اللجوء لإحصائيات الورق والنسب المئوية المضللة، فالأمر ببساطة يتلخص في اختبار واحد: الدروس الخصوصية ، لو ملكت الوزارة الشجاعة لإلغاء الدروس الخصوصية غداً، أو لو امتنع أولياء الأمور عنها لقرابة أسبوع واحد، لسقطت الأقنعة وظهرت الحقيقة العارية للجميع؛ لعرفنا حينها هل تقدم المدارس تعليماً حقيقياً يعتمد عليه الطالب، أم أن البيوت المصرية هي من تُعلّم، وهي من تدفع، وهي من تسد عجز المنظومة من قوتها اليومي، بينما تكتفي المؤتمرات بجني الثمار ونسب الإنجازات لنفسها على شاشات التلفاز!
كفاية “تطبيل”.. مصر أكبر بكثير!
لقد سئم الشارع المصري، وسئم المهتمون بالعملية التعليمية من لغة التبرير والمدح الزائف التي تلتهم مصداقية البيانات الرسمية.
مصر كوطن أكبر بكثير من أن تُختزل في الدفاع عن سياسات وزارية، أو أن نلجأ لمجاملة مسؤول على حساب مستقبل ملايين الطلاب. مصر ليست فرداً، ومصر فوق الجميع.
إن استمرار الماكينات الإعلامية في تجميل المشهد تحت شعار “كل شيء تمام” هو إهانة لوعي المواطن الذي يعاني الأمرين يومياً. كفاية تطبيل يا جماعة؛ فالوطن ومستقبل أجياله أغلى من أي موازنات سياسية أو استعراضات صحفية.
نحن لن نصفق لوهم، ولن نبخس حقاً جلياً، نحن فقط ننحاز للوطن.
إحصائيات الورق والأرقام لا تنطبق مع الواقع
تحدث البيان الرسمي الأخير عن خفض الكثافات الطلابية باعتباره إنجازاً تاريخياً، لكن الواقع الصادم يقول إن حل الأزمة على الورق جاء على حساب جيوب الأسر واستقرارها النفسي عبر نظام الفترات الممتدة والموزعة.
يخرج الطلاب في فترات مسائية ليعودوا في ظلام الليل، أو يتقلص زمن الحصة إلى النصف، مما حوّل المدرسة إلى “محطة قطار” يمر بها الطالب سريعاً دون تعليم حقيقي.
الأرقام في الجداول انخفضت، نعم، ولكن الاستيعاب انعدم، والعبء على الأسرة تضاعف.
أما عن عجز المعلمين، فبينما تشير التصريحات المنسقة إلى سد العجز، تكشف الشكاوى المستمرة من القرى والنجوع والمحافظات عن واقع مغاير تماماً. الاستعانة بمعلمي الحصة بمبالغ زهيدة هي مجرد مسكنات مؤقتة لا تصنع معلماً متفرغاً أو مستقراً نفسياً، في حين يظل المعلم الأساسي—الذي هو عصب العملية التعليمية—مطحوناً اقتصادياً، ومطالباً بالعطاء وجيبه فارغ! كيف نطالبه ببناء عقول أبنائنا وهو يفكر في تدبير ثمن قوته اليومي؟
أزمة الثقة.. من يملك الشجاعة للمواجهة؟
الخطورة الحقيقية التي نعيشها اليوم لا تكمن في وجود مشكلات، فالمصريون شعب صبور، يتحمل الصعاب ويدرك حجم الإرث الثقيل وتراكمات العقود الماضية في ملف التعليم.
الخطورة الكبرى تكمن في “إنكار الواقع” والإصرار على تقديم إحصائيات وردية تخالف ما يراه الأب وتراه الأم يومياً على عتبات المدارس.
التعليم ليس أرقاماً تُعرض في ملفات (PowerPoint) منسقة داخل القاعات المكيفة، بل هو كشكول تلميذ في أقصى قرية بمصر، وسبورة متهالكة في مدرسة حكومية، ومعلم منهك يبحث عن مواصلة يومه بشرف.
كلمة أخيرة:
إن دافعنا وراء هذا النقد ليس الهدم، بل هو الحب الخالص لهذا الوطن والخوف على أبنائه. إننا بحاجة إلى مكاشفة حقيقية وإلى جرأة في الاعتراف بالخلل حيث يوجد.
كفوا عن لغة الأرقام المضللة واستمعوا إلى نبض الشارع وعيون الأمهات اللاتي يقفن أمام أبواب المدارس بالساعات. اعترافكم بالفجوة بين مؤتمراتكم والواقع هو أول طريق الحل الحقيقي، أما الاستمرار في العيش داخل برج عاجي يخالف الحقيقة، فلن ينتج عنه سوى مزيد من الاحتقان، وفقدان تام لما تبقى من مصداقية.
بين الأرقام البراقة في المؤتمرات والواقع المرير بالمدارس: مَنْ يُصدّق مَنْ؟



