مقالات ووجهات نظر

الجن وصرح سليمان بين الحقيقة القرآنية والخيال الشائع

بقلم/ عبدالحميد أحمد حمودة

الجن وصرح سليمان بين الحقيقة القرآنية والخيال الشائع

الجن وصرح سليمان بين الحقيقة القرآنية والخيال الشائع حين نقترب من قصة سيدنا سليمان عليه السلام في القرآن الكريم

فإننا لا نقف أمام سرد تاريخي مجرد بل ندخل إلى عالم تتداخل فيه المعجزة بالتمكين والغيب بالواقع

والسلطة بالابتلاء ومن هنا تنشأ تساؤلات طالما شغلت الذهن الإنساني حول ما سخر له من الجن

والريح وحول طبيعة العمران المرتبط بعهده غير أن هذا المشهد لا ينفصل عن أصل قرره القرآن منذ بداية الخلق حين قال تعالى

﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ البقرة 30

فالإنسان لم يقدم ككائن عابر بل كمخلوق مستخلف مكلف بعمارة الأرض وفق أمر الله

ومن هذا المعنى يمكن فهم ما أعطي لسليمان عليه السلام لا كاستثناء منفصل

بل كنموذج خاص من التمكين داخل إطار الاستخلاف غير أن القرآن لا يبدأ من مظاهر القوة بل من أصلها الدعاء

قال تعالى على لسان سليمان عليه السلام ﴿قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾ ص 35

وهنا تتجلى حقيقة جوهرية أن الملك هبة إلهية خالصة وأن التمكين امتداد لهذا العطاء

ومن هذا الأساس يأتي مفهوم التسخير حيث يقول تعالى

﴿والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ ص 37 38

وقال أيضا

﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه﴾ سبأ 12

فالجن هنا يعملون ضمن إذن إلهي لا باستقلال ولا بقدرة ذاتية مطلقة بل في إطار ملك نبي مؤيد بالوحي

ومن ثم فإن النص القرآني لا يقدم الجن كأصحاب حضارة موازية بل كمخلوقات غيبية محدودة الإدراك تعمل ضمن ما أذن الله به

ومن هنا فإن ما يتداول عن امتلاك الجن حضارة متقدمة أو تفوقا تقنيا يفوق البشر

هو تصور لا يستند إلى نص قرآني صريح بل هو من بناء الخيال والتصورات الشعبية

فما ظهر في عهد سليمان عليه السلام من أعمال عظيمة لم يكن نتاج تطور ذاتي للجن بل صورة من

صور التمكين الرباني حيث تسخر الأسباب بإرادة الله لا بقدرة مستقلة من المخلوقات

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى

﴿فلما قضينا عليه الموت تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب﴾ سبأ 14

وهي آية فاصلة تبطل كل تصور يمنحهم علم الغيب أو استقلال القدرة

وفي سياق آخر يأتي مشهد الصرح مع ملكة سبأ

﴿قيل لها ادخلي الصرح﴾ النمل 44

ولا يذكر القرآن تفاصيل بنائه ولا ينسبه إلى الجن استقلالا بل يركز على أثره في إدراك ملكة سبأ

حين انتقلت من الانبهار بالمظهر إلى اليقين بالحقيقة فانتهت إلى الإيمان بالله رب العالمين

وهكذا لا تعرض قصة سليمان عليه السلام بوصفها استعراضا لقوة مخلوقات

بل كآية من آيات التمكين الإلهي حيث تسخر الأسباب كلها بإذن الله

وفي النهاية يبقى السؤال

هل ننشغل بالمظاهر والوسائل أم نلتفت إلى أصل التمكين ومصدره

وهل الغاية من هذه القصص تتبع تفاصيل الغيب أم إدراك معنى القوة حين تخضع لإرادة اللهالجن وصرح سليمان بين الحقيقة القرآنية والخيال الشائع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى