مقالات ووجهات نظر

الثمانينات في قفص الاتهام والحاضر هو المتهم

كتبت/ندا سرحان

الثمانينات في قفص الاتهام والحاضر هو المتهم

الثمانينات في قفص الاتهام والحاضر هو المتهم ثَمّة أشياء لا تعود لأنها جميلة، وإنما لأنها غابت، وثمّة أزمنة لا نشتاق إليها لأننا عشناها، بل لأننا نبحث فيها عن شيءٍ نفتقده في حاضرنا. ولعل هذا هو السر الأكثر غموضًا وراء ذلك الاجتياح المفاجئ لتريند الثمانينيات؛

فالملايين الذين ارتدوا ملابس الأمس، واستعادوا شوارع الأمس، وأعادوا تشكيل وجوههم داخل صورٍ تشبه زمنًا مضى، لم يكونوا في حقيقة الأمر يعيدون إنتاج الماضي بقدر ما كانوا يستدعون شيئًا دفنوه في داخله.

فماذا لو لم تكن الثمانينيات هي التي عادت؟ ماذا لو كان الذي عاد للحظة هو الحنين إلى الإنسان الذي كان يسكنها؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكنه كلما تعمقنا فيه أصبح أكثر إزعاجًا؛ لأننا قد نكتشف أن هذا التريند الذي بدأ كلعبةٍ بصرية، تحوّل دون أن يقصد أصحابه إلى مرآةٍ ضخمةٍ وضعها المجتمع أمام وجهه، فإذا به يرى الفارق بين زمنٍ كان الإنسان فيه جزءًا من منظومةٍ اجتماعيةٍ تحكمها قواعد واضحة، وزمنٍ أصبح فيه كل شيء تقريبًا قابلًا للبيع والعرض والتصوير والتعليق والمزايدة، حتى المشاعر نفسها.

لقد منحنا العصر الحديث ما لم تحلم به أجيالٌ كاملة؛ منحنا سرعةً هائلة في الوصول، واتصالًا دائمًا بالعالم، ووسائل لا محدودة للتعبير، وذكاءً اصطناعيًا قادرًا على أن يعيد رسم وجوهنا في أي زمن نختاره، لكنه في المقابل ترك سؤالًا أكثر قسوة: هل كل هذا التقدم جعل الإنسان أكثر إنسانية؟ربما لا.

وربما لهذا تحديدًا بدت صور الثمانينيات ساحرة إلى هذا الحد.

ففي الصورة القديمة لا نرى مجرد فستانٍ كلاسيكي أو سيارةٍ عتيقة أو شارعٍ بلا شاشات إلكترونية؛ نحن نرى عالمًا متخيَّلًا أقل صخبًا، أقل استعراضًا، وأشد وضوحًا في حدوده. نرى زمنًا كان فيه الأب أبًا، والأم أمًا، والجيرة علاقة، والصداقة عشرة، والكلمة مسؤولية، والاحترام سلوكًا يوميًا لا شعارًا يُرفع في المناسبات.

لم يكن الماضي جنةً، ولم يكن أهله ملائكة، ولا يصح أن نرتكب خطأ تحويل الذاكرة إلى أسطورة؛ فقد كان في ذلك الزمن ما فيه من أخطاءٍ وقسوةٍ ونقائص. لكن الفارق الذي يستحق التأمل أن منظومة القيم كانت أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة، وأن المجتمع كان يمتلك مناعةً أكبر تجاه بعض أشكال الانحراف التي أصبحت اليوم تمر أمام أعيننا تحت مسمياتٍ براقة.

لقد تغيّرت اللغة قبل أن تتغير الأشياء. أصبح الوقاحة «جرأة»، والاستعراض «حرية»، واللهاث خلف الشهرة «نجاحًا»، وإثارة الجدل «صناعة محتوى»، وأحيانًا يصبح تجاوز الحدود الأخلاقية مجرد «تريند» ينتظر الملايين مشاهدته والتفاعل معه.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

ليست المشكلة في التكنولوجيا، ولا في مواقع التواصل، ولا في الجيل الجديد وحده؛ المشكلة في أن المجتمع بدأ يفقد تدريجيًا قدرته على الاتفاق حول ما ينبغي أن يكون خطًا أحمر.

وما كان بالأمس عيبًا، أصبح اليوم مادةً للضحك.

وما كان يثير الخجل، أصبح لدى البعض وسيلةً لجذب المشاهدات.

وما كان يُقال في أضيق الدوائر، أصبح يُعرض أمام الملايين بلا حرج.

ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا يشتاق الناس إلى الماضي؟

إنهم لا يشتاقون بالضرورة إلى أجهزة التلفزيون القديمة، ولا إلى أشرطة الكاسيت، ولا إلى الصور التي تكسوها ألوان الزمن؛ إنهم يشتاقون إلى إحساسٍ كان يرافق تلك التفاصيل. إحساسٍ بأن هناك قواعد، وأن للكلمة وزنًا، وأن للأسرة حرمة، وأن للخصوصية معنى، وأن الإنسان يستطيع أن يعيش حياته دون أن يحول كل لحظة فيها إلى محتوى ينتظر التصفيق.

لقد أصبحنا نعيش مفارقةً تاريخية مؤلمة: لدينا وسائل اتصال لم تكن موجودة في أكثر أحلام أجدادنا جنونًا، ومع ذلك أصبح كثيرون عاجزين عن الوصول إلى بعضهم.

لدينا آلاف الأصدقاء الافتراضيين، لكننا نفتقد أحيانًا شخصًا واحدًا يمكن أن نطرق بابه في منتصف الليل دون أن نشرح سبب مجيئنا. نستطيع أن نرى حياة الآخرين في لحظة، لكننا لا نعرف ما الذي يحدث حقًا خلف الصور وفي هذا العالم شديد اللمعان، تبدو الأخلاق أحيانًا كأنها شيء قديم لا يعرف أحد أين وضعه.

لكن الحقيقة أن الأخلاق ليست قديمة.

الأخلاق لا تنتمي إلى الثمانينيات ولا إلى السبعينيات ولا إلى أي عصر. 

الأخلاق دائمًا وأبدًا تنتمي إلى الإنسان.

الصدق ليس موضةً قديمة.

والحياء ليس عيبًا.

واحترام الكبير ليس تخلفًا.

وبر الوالدين ليس مفهومًا تجاوزه الزمن.

 

والوفاء ليس سذاجة.

والرحمة ليست ضعفًا.

والالتزام ليس قيدًا.

والرجولة ليست صوتًا مرتفعًا، والأنوثة ليست استعراضًا، والنجاح ليس عدد المتابعين، والقيمة ليست عدد مرات الظهور على الشاشة.

هذه ليست قيم الماضي.

هذه هي مقومات الإنسان في كل زمان ومكان.

ولذلك فإن أخطر قراءة لتريند الثمانينيات أن نكتفي بالضحك على الصور والإعجاب بالملابس القديمة. ربما علينا أن نتوقف لحظةً أمام الرسالة غير المعلنة التي تحملها تلك الصور: لماذا نبحث في الماضي عن الطمأنينة بينما نعيش في عصرٍ يفترض أنه أكثر تطورًا؟

لماذا تبدو لنا صورة شارعٍ قديم أكثر دفئًا من مدينةٍ حديثة مكتظة بالبشر؟

لماذا تبدو لنا عائلةٌ تجلس حول مائدةٍ واحدة أكثر ثراءً من حياةٍ مليئةٍ بالأجهزة والشاشات؟

ولماذا نشعر أحيانًا أن الإنسان كان أقرب إلى الإنسان حين كانت التكنولوجيا أبعد؟

ربما لأن الحضارة حين تتقدم بسرعةٍ أكبر من قدرة الإنسان على تهذيب نفسه، تتحول أدواتها من وسائل للارتقاء إلى أدواتٍ لتضخيم أسوأ ما فيه.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع لك صورةً مثاليةً في الثمانينيات خلال ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يمنحك صدق علاقةٍ فقدتها، أو يعيد إليك أبًا لم تعد تسمع نصيحته، أو أمًا لم تعد تجلس معها كما كنت، أو صديقًا أفسدته المصالح، أو مجتمعًا كانت له هيبةٌ أخلاقية.

التكنولوجيا تستطيع أن تعيد شكل الماضي، لكنها عاجزة عن إعادة روحه.

وهنا تحديدًا يصبح التريند أكثر من مجرد تريند.

يصبح سؤالًا .. وسؤالًا خطيرًا .. !!

هل نحن بحاجة فعلًا إلى العودة إلى الماضي؟

أم أننا بحاجة إلى استعادة أنفسنا قبل أن يصبح الماضي هو الشيء الوحيد الذي نتذكر فيه معنى الإنسان؟

ربما لا نحتاج إلى أن نرتدي ملابس الثمانينيات، وإنما أن نستعيد احترامها. لا نحتاج إلى إعادة السيارات القديمة إلى الشوارع، وإنما إعادة المروءة إلى العلاقات. لا نحتاج إلى أجهزة الكاسيت، وإنما إلى استعادة قيمة الكلمة. لا نحتاج إلى صورٍ باهتة، وإنما إلى قلوبٍ أكثر صفاءً.

لأن الزمن لا يعود.

لكن القيم يمكن أن تعود.

والمجتمع الذي يستطيع أن يستعيد أخلاقه لا يحتاج إلى آلة زمن.

ربما لهذا السبب تحديدًا أحب الناس الثمانينيات مرةً أخرى.

لم تكن الصورة هي التي سحرتهم …

بل الإنسان الذي تمنوا أن يجدوه داخلها.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا عادت الثمانينيات؟

بل ماذا حدث لنا حتى أصبحنا نتمنى العودة إليها؟

فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد استطاع أن يعيدنا أربعين عامًا إلى الوراء في صورة، فهل نستطيع نحن أن نعود خطوةً واحدة إلى الوراء في أخلاقنا، لكي نتقدم عشرات الخطوات إلى الأمام في إنسانيتنا؟ ربما تكون الثمانينيات قد انتهت بالفعل . 

«ولكن ما نحتاجه اليوم ليس عودة الثمانينيات .. وإنما عودة الإنسان»الثمانينات في قفص الاتهام والحاضر هو المتهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى