تعليممقالات ووجهات نظر

أين الشفافية؟ تناقضات أزمة عجز المعلمين بين تقارير المديريات وواقع الكتب الدورية

بقلم/ أحمد المطعني

أين الشفافية؟ تناقضات أزمة عجز المعلمين بين تقارير المديريات وواقع الكتب الدوريةأين الشفافية؟ تناقضات أزمة عجز المعلمين بين تقارير المديريات وواقع الكتب الدورية

* تقارير المديريات الورقية “تغرد في كوكب” وواقع المدارس في “كوكب آخر”!

*​حين يصطدم “العجز الصارخ” بالقرارات المتأخرة.. ومأزق مدير المدرسة بين مطرقة الغياب وسندان الوعود الوردية

أنا أب.. قبل أن أكون كاتباً أو مراقباً للمشهد.. أب يرى مستقبله يمشي على قدمين كل صباح، يحمل حقيبته متوجهاً إلى مدرسةٍ من المفترض أن تكون محراباً للعلم والتربية، لا مسرحاً للتخبط والقرارات الورقية المتأخرة. ومن أجل هؤلاء الأبناء، ومن أجل وطنٍ نعشقه ولا نقبل إلا أن تكون أجياله في المقدمة، نكتب هذه الكلمات بمداد الصدق لا الغضب.

على مدار الأسابيع الماضية، طالعتنا تصريحات رسمية متكررة تؤكد بشائر الاستقرار وتعلن بفخر “القضاء التام على عجز المعلمين” داخل المدارس، وأن العملية التعليمية تسير بلا أي عقبات هيكلية. غير أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، وها نحن نرى وثيقة رسمية (الكتاب الدوري رقم 579 بتاريخ 17 سبتمبر 2026 الصادر من نائب وزير التربية والتعليم والتعليم الفني) تكشف عما هو أعمق وأخطَر، لتفضح وجود “عجز صارخ” -حسب تعبير الكتاب نفسه- وخاصة في هيئات التدريس بالتعليم الفني بنوعياته المختلفة.

بين رؤية الرئيس وتناقضات الميدان

لقد نوه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً وتكراراً، وأكد في كل مناسبة على محورية بناء الإنسان وتوفير تعليم عالي الجودة، مشدداً على ضرورة الاستثمار الحقيقي في العنصر البشري وتعزيز كفاءة القيادات التربوية للارتقاء بنواتج التعلم الحقيقية. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن توجيهات الرئيس الرامية لبناء أجيال قادرة على المنافسة تصطدم على أرض الواقع بتقارير إدارية تتلاعب بالأرقام وتخفي الحقائق!

مفارقة التوقيت.. خلل أم إخفاء متعمد؟

يثير توقيت صدور هذا المنشور -بعد انطلاق العام الدراسي- علامات استفهام كبرى وموجة من التساؤلات المشروعة التي تخص الشفافية والمكاشفة أمام الرأي العام وأولياء الأمور:

 * لماذا لم يصدر هذا الكتاب الدوري ويتخذ هذا القرار الحاسم قبل بداية العام الدراسي لترتيب الأوراق؟

 * هل هو مجرد “خلل إداري” وبيروقراطي في دورة المستندات والقرارات؟ أم أنه تعمد مقصود لتمرير بداية العام بصورة وردية غير حقيقية؟

تجميل الواقع من قِبل المديريات

المؤلم حقاً أن التقارير المرفوعة من مديري المديريات التعليمية طوال الفترة الماضية كانت تؤكد -عبر تصريحات وردية ومنسقة- أن كل شيء على ما يرام وأن الأعداد مكتملة تماماً، هرباً من المساءلة أو سعياً لتقديم تقارير نجاح وهمية ترضي القيادات العليا على حساب جودة التعليم ومصلحة الطلاب.

هذا “السوق العرضي” للتقارير الوردية جعل الوزارة والشارع في صدمة أمام الواقع الميداني الذي يفرض اللجوء مجدداً وبشكل طارئ إلى آليات استثنائية مثل الاستعانة بنظام الحصة (بقيمة 50 جنيهاً للحصة) للهروب من مأزق الفصول الخاوية من المعلمين.

حين يُنشر القرار.. لتفضح “الأخطاء الإملائية” رداءة الصياغة!

​ولأن الهفوات الإدارية لا تفوت على العيون اليقظة، فإن ما يزيد الطين بلة هو إلقاء نظرة متفحصة على نص “الكتاب الدوري” الرسمي نفسه؛ حيث يمتلئ القرار بالعديد من الأخطاء الإملائية واللغوية الفادحة وصياغات ركيكة لا تليق أبداً بمؤسسة تعليمية كبرى هي منبع اللسان العربي والتعليم! وهو ما يعكس حالة من العشوائية الإدارية حتى في خروج المستندات الرسمية للوزارة، مما يجعلنا نتساءل: إن كانت الوزارة في صياغة قراراتها السيادية تقع في هذا الكم من الأخطاء اللغوية والإملائية، فكيف نطمئن لمخرجات العملية التعليمية برمتها داخل الفصول؟ حقاً.. “مش لاقي كلام أقوله” أمام هذا العبث المستشري!

معلم الحصة: قنبلة موقوتة داخل المدرسة

إن الاعتماد على “معلم الحصة” -بهذا الشكل المؤقت والعشوائي- وضع مديري المدارس في أزمة طاحنة؛ فمعلم الحصة غير مرتبط بعقد دائم أو التزام وظيفي صارم، مما يجعله قادراً على ترك العمل في أي لحظة بحثاً عن فرصة أفضل، ليجد مدير المدرسة نفسه مفاجأً بفصول بلا معلم بين يوم وليلة. والأدهى من ذلك هو التغيير المستمر في الجداول المدرسية وتأرجحها مع كل اعتذار أو انسحاب لمعلم حصة، وهو ما نسف “الانتظام” تماماً وأصاب العملية التعليمية في مقتل داخل الفصول.

مطاردة الطلاب وتعجيز مدير المدرسة

ولا تتوقف أزمات مدير المدرسة عند تدبير المعلمين، بل تمتد لتصل إلى عبث إداري آخر؛ إذ يُكلف المدير فعلياً بملاحقة الطلاب وإحضارهم من المنازل تحت تهديد المساءلة القانونية إذا ارتفعت نسب الغياب. وهو أمر غير معقول بالمرة؛ فالطالب بطبيعة الحال لا يجد معلماً ولا فهماً حقيقياً داخل الفصل، وفوق كل ذلك يرى ولي الأمر نفسه مجبراً على تحمل تكاليف الدروس الخصوصية في الخارج. أليس الأب حريصاً على ماله ألا يكلف نفسه عبئاً إضافياً لولا غياب الدور الحقيقي للمدرسة؟

إن معادلة التعليم بسيطة للغاية: “لو وُجد المعلم، وُوِجد الشرح الحقيقي داخل الفصل، لانتهت ظاهرة الدروس الخصوصية، ولاستغنى الطالب بولعه بالغياب طوعاً”.

من يحاسب على هذا العبث.. مدير المدرسة أم الطالب؟

أمام هذا التخبط، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: من الذي يتحمل وزر هذا الانهيار في انتظام الجدول المدرسي ومسرحية الحضور الوهمي؟

هل يُحاسب مدير المدرسة المسكين الذي يقع بين مطرقة العجز الصارخ وسندان حلول ترقيعية لا تستقيم؟ أم يُحاسب الطالب وولي الأمر اللذان يدفعان فاتورة هذا التخبط وغياب الرؤية الحقيقية على حساب مستقبل الأجيال؟

رسالة مفتوحة إلى وزير التعليم.. “الغربال الجديد له شدة!”

يا سيادة الوزير، لقد استبشرنا خيراً في بدايات عملك، وكتبنا عنك أنك رجل لا تمل ولا تكل، وأن نزولك المستمر إلى أرض الواقع قد أرعب الكثير من المقصرين وأطمئن قلوب المخلصين، وظننا أنك ستعيش الواقع بكل تفاصيله مع المعلم والطالب.

ولكن، كما يقول المثل الشعبي المأثور: “الغربال الجديد له شدة”، ولقد انتهت الشدة وبقي الحال على ما هو عليه، بل وصار أسوأ بكثير من ذي قبل!

إننا نرجو منك إعادة النظر وبكل صراحة وشفافية في الآليات المتبعة؛ فحين ننادي برؤية الرئيس الصادقة في بناء الإنسان، ندرك تماماً أن تقدم الأمم لا يكون بالأرقام الوهمية ولا بالتقارير الورقية التي تُطبع لتثبت للعالم أننا في حالة تقدم واستقرار،

بل بالواقع المعيش الذي نكابده كل يوم. إن الواقع الذي تعيشونه أنتم ، يبدو وكأنكم تعيشون في كوكب، بينما نحن هنا في الميدان نعيش في كوكب آخر تماماً!

أين الشفافية؟ تناقضات أزمة عجز المعلمين بين تقارير المديريات وواقع الكتب الدورية

 

احمد حمدي

نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام التنفيذي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى