مقالات ووجهات نظر

“أمومة في محنة” 

بقلم د.داليا علي عبد العزيز

 “أمومة في محنة” 

“أمومة في محنة” 

حين تتحول الأم من حضنٍ آمن… إلى إنسانة تستغيث هناك صورة مثالية للأم ترسخت داخل عقولنا جميعًا؛ أم هادئة، صبورة، تعرف دائمًا كيف تحتوي أبناءها، لا تصرخ، لا تنهار، ولا تتمنى الهروب يومًا من مسؤولياتها.

لكن الواقع أكثر قسوة من الصور المثالية.

خلف أبواب كثيرة، تجلس أمهات يبكين في صمت، يشعرن بالذنب، والاختناق، والإنهاك النفسي الكامل، حتى إن بعضهن يصل لمرحلة يتمنى فيها المرض أو الموت فقط كي يتوقف هذا الضغط الذي لا ينتهي.

قد تبدو الجملة صادمة…

لكن الصادم أكثر هو حجم المعاناة التي تدفع أمًا لأن تقولها.

أم منهكة… وليست قاسية بالفطرة في السنوات الأخيرة، أصبحنا نرى نماذج متكررة لأمهات فقدن السيطرة على انفعالاتهن مع أطفالهن؛

ضرب مفرط، صراخ دائم، دعاء على الأبناء، مشاعر كره مؤقتة، ثم انهيار وبكاء وشعور قاتل بالذنب.

والمجتمع غالبًا يكتفي بالحكم: “أم سيئة.” “معندهاش صبر.” “بعيدة عن ربنا.”

لكن قليلًا من الناس يسأل: كم ساعة تنام هذه الأم؟

هل لديها دعم؟

هل تتحمل التربية وحدها؟

هل تعاني من ضغط نفسي أو اكتئاب أو إنهاك عصبي؟

هل طفلها لديه فرط حركة أو اضطراب سلوكي؟

هل تعيش وسط لوم دائم دون احتواء؟

الأم ليست آلة. وحين تُترك وحدها تحت ضغط متواصل، دون راحة أو سند نفسي، قد تتحول الأمومة من تجربة حب إلى معركة بقاء يومية.

الطفل المتعب ليس طفلًا “سيئًا”

بعض الأطفال يمتلكون طاقة مفرطة، حركة زائدة، نوبات غضب، تعلقًا شديدًا، عنادًا مستمرًا، أو حساسية عالية تجاه الأماكن والناس.

وهؤلاء الأطفال يحتاجون فهمًا خاصًا، لا عقابًا مضاعفًا.

المشكلة أن الأم المرهقة لا ترى خلف السلوك.

هي فقط ترى: إحراجًا أمام الناس، خسائر مادية،

فوضى،

صراخًا،

وضغطًا إضافيًا فوق قدرتها.

فتنفجر ثم تبدأ دائرة مؤلمة:

الطفل يزداد اضطرابًا بسبب العنف،

والأم يزداد غضبها بسبب اضطراب الطفل،

حتى تصبح العلاقة قائمة على التوتر والخوف بدل الأمان.

العنف لا يصنع طفلًا مطيعً قد يسكت الطفل بعد الضرب… لكنه لا يهدأ من الداخل.

الطفل الذي يُضرب بعنف، أو يُهان باستمرار، لا يتعلم التربية بقدر ما يتعلم الخوف.

وقد يكبر وهو يحمل داخله قلقًا، ضعف ثقة، خوفًا من الخطأ، أو غضبًا مكبوتًا يتحول لاحقًا إلى عدوان أو انسحاب نفسي.

والأخطر أن بعض الأمهات لا يكرهن أبناءهن…

بل يكرهن النسخة المنهكة من أنفسهن.

ماذا تحتاج الأم فعلًا؟

الأم المنهكة لا تحتاج محاضرة جديدة عن الصبر.

هي تعرف أنها أخطأت قبل أن يخبرها أحد.

ما تحتاجه فعلًا هو:

1. الدعم النفسي لا اللوم أن تجد من يسمعها دون إدانة.

أن تعترف بأنها تعبت دون أن تُتهم بأنها أم فاشلة.

2. فترات راحة حقيقية حتى ساعتان أسبوعيًا بعيدًا عن الضغوط قد تنقذ أعصاب أم كاملة.

3. تقييم سلوك الطفل بشكل علمي وبعض الأطفال يحتاجون تدخلًا سلوكيًا أو تقييمًا لفرط الحركة وتشتت الانتباه، لا مزيدًا من العقاب.

4. تعلم إدارة الغضب مثل:

– الانسحاب وقت الانفعال

– عدم النقاش أثناء العصبية

– طلب المساعدة عند الشعور بفقدان السيطرة

– تنظيم النوم والإرهاق الجسدي

5. التخلص من وهم “الأم الخارقة” لا توجد أم لا تتعب.

ولا توجد أم مثالية طوال الوقت.

الأمومة ليست اختبارًا للصبر فقط

الأمومة رحلة نفسية كاملة.

وكل أم تحمل داخلها طفلة متعبة أيضًا، تحتاج الاحتواء والرحمة.

علينا أن نتوقف عن تقديس صورة الأم التي “تتحمل كل شيء” بصمت، لأن هذا الصمت أحيانًا يتحول إلى اكتئاب، أو عنف، أو انهيار نفسي كامل.

إنقاذ الأطفال يبدأ أحيانًا من إنقاذ أمهاتهم أولًا.

لأن الطفل لا يحتاج أمًا كاملة…

بل يحتاج أمًا آمنة نفسيًا، قادرة على الحب دون أن تؤذي نفسها أو تؤذيه.

"أمومة في محنة" 

“أمومة في محنة” 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى