أكتوبر.. الانشطار العظيم
السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، سنة ١٩٧٣، الساعة الثانية ظهراً، في أرض سيناء المباركة؛ كانت بداية انشطار عظيم للكون المصري الجديد. انشطارٌ يُذكرنا بقوله سبحانه وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}؛ فقد كان تاريخنا رتقاً من ألم واستسلام، فجاء هذا اليوم ليفتق للوطن فجراً جديداً من العزة والكرامة. إنه انشطارٌ نتج عن إصرار شعب ومن عظمة جيش، ونتجت عنه شمس جديدة وقمر جديد ونجوم جديدة، وأرض جديدة، وأصبحنا أفضل مجرة في الكون.
لحظةٌ أقوى وأفضل من الانشطار العظيم الذي نشأ عنه الكون قبل مليارات السنين؛ إنها مصر أم الدنيا التي أصرت على استرداد الأرض والكرامة والعزة، والتي ما زالت قادرة على إحداث آلاف الانشطارات من أجل البقاء. إنها مصر المحروسة التي جعلت لشهدائها نصيباً من الجنة.
إن هذا الانشطار العظيم الذي بدأته مصر في العاشر من رمضان حدثٌ عظيمٌ لم يتكرر حتى الآن، إنه انشطار تصدعت منه أركان الكرة الأرضية، حتى لا تنسى الدنيا الملحمة العظيمة التي انتهت بالنصر للجيش العظيم؛ نصر يحتاج إلى ملوك الأدباء حتى يكتبوا عنه، وآلاف الشعراء حتى يصفوه، يحتاج إلى أبجدية جديدة ولغة جديدة وأرقام جديدة.
هذا النصر الذي جاء بتوفيق من فوق سابع سماء، وكلمة “الله أكبر” التي قالتها جموع القوات المسلحة ما زالت حتى الآن ترن في آذاننا، وما زالت ترهب العدو القريب الذي يخاف أن يفكر بتكرار تلك الجريمة واحتلال شبر واحد من أرض مصر.
السادس من أكتوبر كان كطوفان نوح؛ الضربات الجوية في السماء، تنزل عليهم بصواريخ منهمرة، والمشاة والبحرية والمدفعية في الأرض، يخرجون عليهم من كل مكان كالينابيع من الخنادق، ولم نترك عدواً واحداً على أرضنا حتى استوينا على أرض سيناء بالكامل وغرق العدو.
كانت الخطة محكمة والتأييد من السماء، والملائكة في كل مكان تحارب يداً بيد مع الجنود البواسل العظماء؛ أصحاب العزة والكرامة. هذه الحرب كانت وما زالت وسام شرف على صدورنا، وتاريخاً يُحكى لأولادنا حتى يعيشوا مرفوعي الرأس.
فسلامٌ على أرواحِ شهدائنا الأبرار، وطَيَّبَ اللهُ ثراهم، وجعلَ الفردوسَ الأعلى مأواهم، وحَفِظَ مصرَ وجيشَها أَبِيَّاً شامخاً على مَرِّ الزمان.


