
ترند الثمانينات.. لماذا نهرب من حاضرنا إلى زمن لم يعد موجوداً
ترند الثمانينات.. لماذا نهرب من حاضرنا إلى زمن لم يعد موجوداً فجأة امتلأت مواقع التواصل بصور تعيدنا إلى الثمانينات وكأن الزمن قرر أن يفتح لنا بابًا قديمًا نطل منه على أيام لم تعد موجودة إلا في الذاكرة
ملابس قديمة وشوارع أبسط ووجوه بلا فلاتر وصور عائلية تحمل شيئًا من الدفء الذي نفتقده اليوم
لكن الحكاية أكبر من مجرد ترند أو صورة صنعتها تقنيات الذكاء الاصطناعي
هناك شيء ما يدفعنا إلى الوراء كلما شعرنا أن الحاضر أصبح أسرع من قدرتنا على اللحاق به
الثمانينات لم تكن زمنًا مثاليًا ولم تكن الحياة فيها خالية من التعب والمشكلات لكنها بقيت في الذاكرة مثل صورة قديمة لم يصل إليها غبار الأيام
ونحن لا نشتاق إلى كل تفاصيل الماضي بقدر ما نشتاق إلى إحساس كان موجودًا فيه
إلى بيت كانت له رائحة خاصة وإلى شارع يعرف أهله بعضهم وإلى جلسة عائلية لا تحتاج إلى شاشة حتى تستمر
كان الإنسان وقتها يعيش اللحظة قبل أن يفكر في تصويرها وكانت الضحكة تنتهي بانتهاء اللحظة ولا تتحول بالضرورة إلى منشور ينتظر إعجاب الآخرين
أما اليوم فقد أصبح كل شيء أسرع
تكنولوجيا تتغير كل يوم ومعلومات لا تتوقف وشاشات تلاحقنا حتى في أكثر لحظاتنا هدوءًا
وأصبح الإنسان يعيش في حاضر مزدحم بالمقارنات والسرعة والضغوط ولهذا يبدو الماضي أحيانًا أكثر راحة
ليس لأنه كان أجمل في كل شيء ولكن لأن الذاكرة تعرف كيف تحتفظ بما أحببناه وتترك خلفها الكثير مما أوجعنا
نحن نتذكر صورة الأسرة ولا نتذكر خلافاتها ونتذكر الأصدقاء ولا نتذكر لحظات الفراق ونستعيد الشوارع القديمة دون أن نتذكر صعوبة الأيام التي عشناها فيها
وهنا يصبح الحنين نوعًا من إعادة ترتيب الذاكرة
نأخذ من الماضي أجمل ما فيه ونضعه أمام أعيننا للحظات وكأننا نستريح من حاضر لا يمنحنا دائمًا فرصة لالتقاط الأنفاس
وربما لهذا السبب أصبح الخيال ملجأً ناعمًا
فصورة واحدة تستطيع أن تفتح بابًا في الذاكرة فنسمع صوتًا قديمًا ونرى وجهًا غاب ونشم رائحة بيت لم يعد موجودًا
قد نضحك أمام صورة من الثمانينات لكن خلف الضحكة حكايات كثيرة لا تظهر في الصورة
أشخاص كبروا وأشخاص رحلوا وأماكن تغيرت وأحلام كانت تبدو وقتها بعيدة ثم اكتشفنا أن العمر نفسه كان أقرب مما تخيلنا
لكن الماضي لا يعود مهما حاولنا تجميله
والصور لا تستطيع أن تعيد إلينا الزمن ولا الأشخاص ولا تلك اللحظة التي مرت مرة واحدة ولم تعرف طريق العودة
والتطور أيضًا ليس عدوًا للإنسان
المشكلة ليست في المستقبل وإنما في أن نفقد أنفسنا ونحن نركض إليه وأن تتحول التكنولوجيا من وسيلة تساعدنا على الحياة إلى عالم نعيش داخله وننسى العالم الحقيقي من حولنا
ربما لذلك لا نحتاج إلى العودة إلى الثمانينات
نحتاج فقط إلى أن نستعيد منها بعض الأشياء التي تركناها خلفنا
الهدوء قبل السرعة والقرب قبل المسافة والحديث قبل الرسائل واللحظة قبل الكاميرا
ربما تكون صور الثمانينات مجرد ترند وسينتهي لكن الحنين لن ينتهي
لأن الإنسان سيظل يبحث عن مكان يشعر فيه أن الحياة كانت أبطأ وأن قلبه كان أخف وأن الأيام كانت تعرف كيف تمر دون أن تسرق منه نفسه
وفي النهاية ربما أجمل ما يمكن أن نفعله هو ألا نقضي حاضرنا في الحنين إلى الماضي
بل نصنع من حاضرنا أيامًا تستحق أن يحن إليها أحد في المستقبل
فبعد سنوات قد ينظر شخص إلى صور هذه الأيام ويبتسم ويقول
كانت أيامًا جميلة

