بيان صادر عن السفارة الهندية رداً على مقال “حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند”
متابعة/ريم الرحمان

بيان صادر عن السفارة الهندية رداً على مقال “حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند”
بيان صادر عن السفارة الهندية رداً على مقال “حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند” تعاني السردية التي طرحها العميد (متقاعد) الدكتور راشد والي جنجوا في مقرت اله المنشور بصحيفة “داون” من ذات الانتقائية في استحضار الوقائع التي يتهم بها الهند.
ويكشف استعراض موضوعي وغير متحيز للحقائق أن عدداً من أطروحاته لا تقدم الصورة التاريخية الكاملة، وتفتقر إلى الدقة القانونية والالتزام بروح الاتفاقيات الثنائية.
أولاً: سياق أحداث عام 1948 واتفاقية الدولتين
يستشهد الكاتب بإغلاق قناتي سنترال باري دوآب وديبالبور عام 1948 باعتباره دليلاً على النوايا العدائية للهند، لكنه يغفل السياق الأساسي المعقد لعملية تقسيم شبه القارة الهندية؛ حيث كانت هاتان القناتان تستمدان مياههما من منشآت التحكم الواقعة بالكامل داخل الأراضي الهندية عقب التقسيم.
إن وقف تدفق المياه جاء في خضم تلك الظروف الاستثنائية، ولم تكن خطوة عدائية بل مسألة تنظيمية تمت تسويتها سريعاً عبر اتفاقية الدولتين (Inter-Dominion Agreement) الموقعة في 4 مايو 1948. وفي هذه الاتفاقية،
أقرت باكستان نفسها بالحقوق السيادية للهند على منشآت التحكم، ووافقت على دفع رسوم الامتياز مقابل استمرار استخدام المياه، مما يعكس حرص الهند التاريخي على تسوية القضايا بروح ودية وليس بسوء نية.
ثانياً: سخاء معاهدة عام 1960 والتنازلات الهندية
يقع الكاتب في تناقض واضح حين يؤكد أن معاهدة مياه نهر السند قد خدمت المصالح المائية لباكستان على نحو جيد، ويتهم الهند في الوقت ذاته بـ”المحاولات المستمرة للاستيلاء” على مياه باكستان.
والحقيقة التاريخية تثبت أن معاهدة مياه نهر السند لعام 1960 تُعد من أكثر المعاهدات سخاءً في العالم بشأن تقاسم المياه العابرة للحدود من منظور دولة المصب؛ حيث:
تخلت الهند عن حقوقها في نحو 80%من إجمالي مياه نظام نهر السند.
دفعت الهند ما يقارب 62 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل نحو 227.5 مليار روبية هندية بالقيمة الحالية) كتعويض لتمويل مشروعات الإحلال في كشمير المحتلة من جانب باكستان لضمان استخدام مياه تمتلكها الهند أصلاً.
“لا يوجد في التاريخ الحديث لمعاهدات المياه ما يماثل هذا القدر من التنازل الطوعي من جانب دولة منبع لصالح دولة مصب.”
ثالثاً: العرقلة التقنية الممنهجة للمشروعات الكهرومائية
تشير الهند إلى أن موقفها متطابق تماماً مع أحكام المعاهدة بشأن الالتزام بسعة تخزينية محددة تبلغ 3.6 مليون قدم-فدان على الأنهار الغربية، وأن مشروعات الطاقة الكهرومائية من نوع “الجريان النهري” يجب ألا تؤثر في نظام تدفق المياه إلى المصب.
غير أن جوهر الخلاف يكمن في استغلال باكستان لتفسير مفهوم “تغيير نظام التدفق” للاعتراض الممنهج على كافة المشروعات الهندية بغض النظر عن حجمها أو تصميمها:
مشروع أوري 2:اعترضت عليه باكستان رغم أنه لا يتضمن أي سعة تخزينية.
مشروع كالناي السفلى:** تم الاعتراض عليه رغم أن الفارق بين السعة التخزينية المصممة هندياً وتلك المحتسبة باكستانياً لا يتجاوز كسوراً عشرية ضئيلة، مما يجعل الاعتراض ذريعة فنية وليس خلافاً جوهرياً.
رابعاً: الخرق الإجرائي وآليات تسوية المنازعات
إن اعتراض الهند على إجراءات التحكيم التي طلبتها باكستان من البنك الدولي بشأن مشروعي “كيشانجانجا” و”راتلي” —وهما مشروعان شرعيان ومتوافقان تماماً مع المعاهدة— لا يمثل تنصلاً من المساءلة. بل هو موقف مبدئي يستند إلى **المادة التاسعة من المعاهدة**، والتي تشترط استنفاد آلية “الخبير المحايد” بالكامل والتدرج الإجرائي قبل اللجوء إلى محكمة التحكيم. وبالتالي، فإن لجوء باكستان الأحادي للمحكمة يعد إخلالاً صريحاً بالتزاماتها القانونية.
خامساً: طلب تعديل المعاهدة (يناير 2023)
إن الإخطار الذي وجهته الهند في يناير 2023 لطلب تعديل معاهدة مياه نهر السند استناداً إلى المادة الثانية عشرة (الفقرة 3، جاء نتيجة مباشرة للعرقلة الباكستانية المستمرة وسلوكها الأحاديث في اللجوء للتحكيم الدولي بما يخالف روح المعاهدة.
هذا الإجراء ليس إلغاءً أحادياً، بل هو تفعيل لآلية قانونية تدعو لمفاوضات جديدة تعكس ستة عقود من المتغيرات البيئية، والتطورات التقنية، واحتياجات الهند التنموية المشروعة، ومواجهة استخدام آليات تسوية المنازعات بسوء نية.
سادساً: المقارنات الإقليمية المغلوطة
إن محاولة الكاتب مقارنة هذه الحالة بنزاعات (مصر وإثيوبيا) أو (سوريا والعراق) تضعف حُجته؛ ففي تلك الحالات تفتقر الدول إلى معاهدات ثنائية ملزمة قانوناً مما يضعف موقف دول المصب هناك. أما باكستان، فقد حظيت بمعاهدة مفصلة وصارمة، غير أنها آثرت إساءة استخدامها كأداة للمناكفة السياسية بدلاً من توظيفها كأداة للتنمية والتعاون الإقليمي.
الختام
إن أي تناول مسؤول لملف بهذه الدرجة من الحساسية يجب أن يتجاوز سرديات “المعتدي والضحية”. لقد صمدت معاهدة مياه نهر السند لأكثر من ستة عقود بفضل النهج السخي والمرن الذي اتبعته نيودلهي،
ولكن لا يمكن لباكستان أن تتوقع استخدام هذه المعاهدة للأبد كأداة سياسية لعرقلة التنمية المشروعة في الهند. إن الخطاب التصعيدي لباكستان يبرر تماماً الموقف الهندي الحالي الرامي إلى مراجعة المعاهدة وتحديثها بما يضمن العدالة والدقة القانونية.
بيان صادر عن السفارة الهندية رداً على مقال “حقائق وأكاذيب وأساطير معاهدة مياه نهر السند”
