المطعنى يكتب.. كوكب النظريات وكوكب الناس.. متى يلتقي البرج العاجي بأرض الواقع؟
بقلم. أحمد المطعني
المطعنى يكتب.. كوكب النظريات وكوكب الناس.. متى يلتقي البرج العاجي بأرض الواقع؟
في كثير من الأحيان نصطدم بنماذج بشرية ترفع شعارات الإصلاح، وتجزم بأنها تسعى لخدمة المستقبل وبناء الغد. هؤلاء قناعتهم المطلقة بأنهم على حق راسخة في أذهانهم.
بل ربما تكون نياتهم الأصلية خالصة أو متسقة مع غايات كبرى تترائى لهم وحدهم، وهنا تكمن المأساة، يأتي التنفيذ على الأرض غليظاً، فجاً، مثقلاً بالقسوة والتعالي.
والأدهى من ذلك أنهم يتحدثون عن واقع وهمي “غير موجود أصلاً” على أرض الواقع، وكأنهم يعيشون في كوكب مغاير، بينما يعاني الناس على كوكب آخر صدمة الاحتكاك المباشر بتلك القرارات والمفاهيم التي لا تقابلها أي شواهد حقيقية في حياتهم اليومية.
فهل يُعذر الإنسان بحسن نية نظريته إذا أفسد التطبيق؟
وماذا تقول الشريعة الإسلامية الغراء في هذا الانفصال الشعوري والواقعي الخطير؟
وكيف يمكن لهذا “الكوكبين” أن يلتقيا قبل أن تتسع الهوة؟
أولاً: ماذا يقول الله ورسوله عن “حسن النية” مقابل “فساد التنفيذ والأثر” في ميزان الإسلام، النية الطيبة أصل عظيم، لكنها وحدها لا تكفي أبداً لتبرير الأخطاء الجسيمة، أو قسوة التنفيذ، أو إلحاق الضرر بالعباد. لقد جعل الإسلام المعيار الحقيقي مرتبطاً بـ “الرفق”، و”فقه الواقع”، و”تحقيق المصالح ودرء المفاسد”:
الرفق الذي افتقده الغليظون:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه» [رواه مسلم].
فالطرح النظري الجيد إذا نُفذ بـ “غلظة” وجفاء، فقد قيمته، وأحدث نفوراً وخراباً نفسياً ومجتمعياً عميقاً.
الإنكار الواقعي على من يقولون ما لا يفعلون أو ما لا يدركه الواقع:
القرآن الكريم يضع معيار الصدق والموضوعية في مواجهة الوهم والادعاء.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: 2-3].
فالتحدث عن منجزات أو واقع أو أمور لا أثر لها في حياة الناس هو نوع من الانفصال الفادح عن الأمانة الموضوعية في نقل الحقيقة ووصف الواقع.
مراعاة طاقة الناس وظروفهم:
كان النبي صلى الله عليه وسلم دائماً يوصي أمراءه وقادته بالتيسير لا التنفير، مراعاة لمدارك العقول وطاقات الأبدان. وحين بعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن قال لهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا» [متفق عليه].
فالذي يعيش في كوكب النظريات يفرض على الناس أعباء وتصورات لا تطيقها طاقاتهم ولا تراعي أحوال معيشتهم.
ثانياً: تشخيص الداء.. لماذا يعيشون في “كوكب” والناس في “كوكب آخر”؟
إن الابتعاد عن الاحتكاك المباشر بالبسطاء وبنبض الشارع الحقيقي يولد حالة مدمرة من “الغيبوبة الواقعية”، وتبرز ملامحها في أمرين:
سلطة التقارير الصماء: الاكتفاء بالأرقام الباردة والنماذج الجاهزة، بمعزل تام عن معاينة الألم الإنساني وتلمس الاحتياجات الملحة على أرض الواقع.
تقديس النظرية على حساب الإنسان: حين يتحول الهدف إلى “إنجاز شكلي” أو “فلسفة ورقية” تُفرض على الناس قسراً، وتتم معاتبتهم لأنهم لا يرون هذا الوهم المزعوم، متجاوزين الحقيقة الساطعة التي يلمسونها في معاشهم اليومي.
ثالثاً: دروس من المصارحة والاشتباك المباشر مع الواقع
إن القفز فوق الواقع أو التغاضي عن تحدياته لم يكن يوماً خياراً لإصلاح الحاضر أو بناء المستقبل. ولو تأملنا فلسفة إدارة الدولة الحديثة، لرجح لدينا نموذج “المصارحة المباشرة” كحل جذري لكسر الأبراج العاجية.
لقد تحدث فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي كثيراً وبشكل مكثف صراحةً عن أهمية المصارحة والاشتباك المباشر مع الواقع دون تجميل أو مواربة. ولعل أبرز هذه الدروس العملية الحية تتجلى في:-
لغة الحوار المباشر العفوي والصريح الذي يدور في الفعاليات الرسمية مع رجال الأعمال والمستثمرين؛ كما حدث في حواره المباشر والشديد الصراحة
مع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، حين وضع القيادي والمستثمر أمام المسئولية المجتمعية والواقعية المباشرة بعيداً عن المكاتب المغلقة والحسابات الورقية الباردة.
فخامة الرئيس السيسي للمصريين: لأجل خاطر ربنا حبوا بعضكم احترموا بعضكم ساعدوا بعض .
إن مثل هذه المواقف الحية تحمل درساً بليغاً لكل مسئول أو صاحب رأي: إن مواجهة الحقيقة كما هي، والحديث بوضوح ومباشرة عن متطلبات الشارع والناس،
وطرح الأرقام والالتزامات على أرض الواقع دون مواربة، هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن وضمان ألا تنفصل التخطيطات النظرية عن النبض الميداني الحقيقي.
رابعاً: هل يلتقي الكوكبان؟ (طريق الحل والتكامل)
الكوكب الواحد يجمعنا، ولا بد لهذا الفارق الهائل أن يتقلص، ولن يحدث ذلك إلا بشروط واضحة وحاسمة:
النزول إلى الأرض (الشفافية والملامسة الحية):
على أصحاب النظريات أن يخلعوا عباءة التعالي، وينزلوا إلى شارع الناس، يسمعون شكواهم، ويرون بأعينهم ما إذا كان ما يتحدثون عنه موجوداً حقاً، أم أنه مجرد سراب خادع في أذهانهم.
الرحمة واللين في التنفيذ:
العدل والخطط الحكيمة تفقد قيمتها إن غاب عنها “الإحسان” والرفق بالبشر. فالقسوة في التطبيق تُسقط أبلج الحقائق وتُشوه أجمل الغايات.
مصارحة الواقع بلا تجميل:
الاعتراف بأن الواقع له متطلبات لا تحلها الشعارات ولا تملؤها الكلمات الوهمية. البداية الصحيحة للإصلاح تبدأ دائماً من الاعتراف بالحقيقة كما هي، لا كما نتمناها في دفاترنا المغلقة.
وإن الالتزام بالحقيقة المجردة والمواجهة الصادقة للواقع ليس مجرد صلاح للدنيا واستقرار لها، بل هو نجاة أكيدة في الآخرة؛ فالصراحة مع النفس ومع الناس، وقول الحق مهما كان مُرًّا، يُنجيك من سخط الله ومن عذابه وغضبه يوم القيامة؛ لأن الله تعالى هو “الحق”، ولا يقبل من عباده إلا الصدق والأمانة في القول والعمل.
خلاصة القول:
إن الغاية النبيلة لا تبرر أبداً وسيلة منفرة أو غليظة، والحديث عن واقع افتراضي لا يراه الناس ليس إلا عزلة فكرية قاتلة. ولن يلتئم جرح المجتمع إلا إذا تخلص “أهل الكوكب العاجي” من أبراجهم، وعادوا ليلتحموا بنبض الأرض والناس، مستمسكين بالرحمة، والصدق، والواقعية المعاشة.
المطعنى يكتب.. كوكب النظريات وكوكب الناس.. متى يلتقي البرج العاجي بأرض الواقع؟




